فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 274

والهداية الأخرى وهي هداية التوفيق، يعني الله يوفِّق عبده ويهدي قلبه، قال -عزَّ وجلَّ-: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} هنا نفى عنه الهداية، والآية التي قُرئت سابقًا قال: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي} إذًا هذه الهداية هنا غير الهداية في الآية الأخرى فهذه هداية توفيقية.

وهذا عندهم لا يصح؛ فهم منعوا أفعال الرب في خلقه من الهداية والإضلال، الله -عزَّ وجلَّ- يقول: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} . قد يقول قائل هل الله -عزَّ وجلَّ- يأتي الإنسان ويزيّن له الكفر؟ لا، هذه الآية كما قال ابن القيم -عليه رحمة الله- في (شفاء العليل) :"هذه الآية لا تُعمل إلا بعد أن يختار المرء الكفر أو يختار المرء الإيمان".

يعني أولًا أنت تختار إما الإيمان أو الكفر، فبعد أن تختاره يقع التزيين، إذًا الله -عزَّ وجلَّ- يُزيّن للكافر كفره ويراه هو الصواب، بل ربما ينتصر في معركة من المعارك فيظن نفسه الإله. وكذلك المؤمن يُزين له الإيمان في قلبه، ويُحبِّب إليه الإيمان حتى إن المرء ليتمنى أن يُقذف في النار ولا يرجع إلى الكفر.

فإذًا هم نفوا كل هذا، نفوا أن الله -عزَّ وجلَّ- له هداية في القلوب، وله إغواء في القلوب. نفوا أن الله -عزَّ وجلَّ- هو الذي خلق الخير، وأن الله -عزَّ وجلَّ- هو الذي خلق الشر والشر ليس إليه. قالوا لا، الله لم يخلقه، الإنسان هو الذي يخلق فعله. ونفوا أن تقع المعاصي في هذه الدنيا بإرادته، لأنهم لم يتصوروا إلا الإرادة الشرعية.

هل المعتزلة تتصور وجود الخلق القدري لله -عزَّ وجلَّ-؟ لا، لا يتصورون إلا الأمر الشرعي، ولا يتصورون الأمر القدري، وذلك بخلاف الجبرية. فالأمر القدري الله لم يخلقه، إنما نسبوه للإنسان، هو صاحب الاختيار الأول وهو الذي يفعل، فلا يُوفَّق المؤمن لطاعة ولا يُزيَّن للكافر معصية، إلى آخره.

فما هي المعصية إذًا؟ قالوا: المعصية هي مخالفة الأمر الشرعي، هل هناك أمر قدري؟ لا. طيب لو إنسان عندهم قُتل، واحد قتل واحدًا فكيف يتصورونها؟ ما دام أن الأمر القدري لا وجود له، حتى إنهم ينفون الكتابة، فكيف يتصورون موضوع الرزق والحياة والمعصية في هذا؟

يقولون: إن الله -عزَّ وجلَّ- أراد لهذا الإنسان أن يعيش مائة سنة، هذا الذي كتبه الله ولكن هذا الإنسان جاء وقتله وعمره سبعون، فحينئذ هذا خالف أمر الله بأن قطع عليه ما أراده الله -عزَّ وجلَّ- من مائة سنة؛ هم لا يتصورون الأمر القدري، ولذلك عندهم المعصية تقع على هذا المعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت