فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 274

هذه فرقة من أَجْلد الناس في الحروب، ومن أجرأ الناس على سفك الدماء، ومن أشجع الناس عند اللقاء، وليس فيهم إمام أو رجل خارجي لم يقاتل ولم يخرج وصنع في حياته الأعاجيب!

قلنا لما قِبل علي -رضي الله تعالى عنه- التحكيم؛ خرج قوم من جماعته، وقالوا: لقد قبل علي أن يُحكِّم الرجال في دين الله، وخرجوا إلى جنوب الكوفة واجتمعوا في منطقة تُسمى (حَرُوراء) ، وزعيمهم يُسمى ابن الكوَّاء، وعددهم اثنا عشر ألفًا.

وقالوا: إن عليًا قد كفر بتحكيمه الرجال، وقد كفر بشكّه في إمامته؛ لأنه أرسل إلى معاوية يدعوه إلى بحث موضوع صواب إمامته، فقالوا: إذا بحث هذه القضية مع معاوية فإذًا هو شكَّ في إمامته، فإن لم يكن هو أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين، فخرجوا واعتزلوا وجلسوا ينتظرون.

علي -رضي الله تعالى عنه- أرسل لهم ابن عباس، وذهب وناظرهم، والمناظرة جميلة. بعضهم قال: علي هو الذي ناظر، والمشهور أن الذي ناظرهم هو ابن عباس.

قالوا لابن عباس: لما قاتلنا معه في الجمل، أجاز لنا أخذ الأموال ولم يُجِز لنا سبي النساء، فقال لهم: إنما الأموال أباحها لكم لأنهم قاتلوكم فيها، وأما النساء فلم يكفُروا ولم يُشركوا حتى تسبوا النساء، من منكم يحب أن يرجع وأم المؤمنين في رحله سبية له؟! فخجلوا.

فقالوا له: طيب أنت شكَّكتَ في إمارتك، وقلت لمعاوية: تعال لنتفاوض في صحة إمارتي، فإن لم تكن أميرًا لنا فعلامَ قاتلت؟ فبيَّن لهم أن هذا الذي فعله إنما هو من باب التَّنزُّل، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع سهيل بن عمرو في صلح الحديبية، لما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُكتب في المعاهدة:"هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، فقال سهيل:"لو كنا نصدّق أنك رسوله لما قاتلناك، اكتب محمد بن عبد الله"، وعلي -رضي الله عنه- كان الكاتب وأبى أن يمسح كلمة محمد رسول الله، حتى نظر إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - ومسحها بيده. فهل عندما أسقط أو مسح هذه الكلمة هل شك أنه نبي؟!

ثم قرأ لهم قوله -عزَّ وجلَّ-: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} ، فهذا من باب التنزُّل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت