بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه الغر الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان وهدى إلى يوم الدين، جعلنا الله -عز وجل- وإياكم منهم، آمين.
تكلمنا البارحة عن بعض الخلافات التي وقعت بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على فراش الموت -عليه الصلاة والسلام-، وكيف قام لها الصديق الأكبر وعالجها بحكمة، وكيف كان اجتماع الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- على الخير بسرعة، وكيف أن الخلاف لا بد منه؛ فإن الناس تتفاوت علومهم، فمنهم من سمع، ومنهم من لم يسمع، فمن سمع حُجّة على من غاب، وحتى الذين يسمعون تختلف مراتبهم في الفهم لما يسمعون، فهناك من يسمع ويكون ناقلًا دون أن يكون داريًا أو عالمًا بما ينقل، وهناك من يسمع ويدري ويفهم ويعلم، وهناك من يسمع وينسى، وهناك من يسمع ويحفظ.
فهكذا كان شأن الصحابة -رضي الله عنهم- في اختلاف مسموعاتهم، وفي درجات حفظهم لما يسمعون، وفي درجة فهمهم لما يسمعون، فهم على طبقات في هذا الباب، وهم على طبقات في أخذهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
المهم أن الصحابة لم يختلفوا في زمن أبي بكر وعمر، ويُرجع شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إلى أن الخلاف كان معدومًا في زمن أبي بكر وعمر لوجود هذين الرجلين معًا، وهما وزيرا النبي - صلى الله عليه وسلم -
فأبو بكر رجل ليِّن الجانب من غير ضعف، وعمر -رضي الله عنه- رجل شديد من غير ظلم، فأمر الدين كان قائمًا بهذا اللين الذي كان في صدر أبي بكر، ولكن كما قلنا لين من غير ضعف، وأثبتت المواقف أنّ أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- كان إذا اسُتفز دينه، أو إذا شعر أن الدين يُهان، أو أن الدين يُؤخذ منه، كان لا تقوم له الجبال، كما رأينا في حادثة بعث أسامة، وكما رأينا في قتاله المرتدين، والصحابة كلهم قالوا بتأجيل قتال المرتدين،