وهو ضرب على صدر عمر، حتى عمر قال:"يا خليفة رسول الله، يا أبا بكر دعهم نقبل منهم الصلاة، وأما شأن الزكاة فنحن اليوم أصحاب قِلّة فحتى نَقْوى، ونعيد المرتدين والذين تنبؤوا واتبعوهم، وبعد ذلك نفرغ لمن منعك الزكاة"؛ لأن أقوامًا من العرب منعوا الخليفة الزكاة ولم يمنعوها أصلًا، فهؤلاء بُغاةٌ لا يكفرون، هؤلاء بغاةٌ على الإمام، ولكن أبا بكر رفض هذا، فضرب على صدر عمر فقال له:"جبّار في الجاهلية، خوّار في الإسلام؟"، وغضب غضبة شديدة.
وكان في أبي بكر غَضْبة لكنها تظهر في حينها، له غضبة على ابنه عبد الرحمن عندما أرسل معه جماعة من أهل الصُّفة ليأكلوا الغداء -العشاء يعني كما هو اليوم يقال العشاء-، فلم يطعمهم ابنه انتظارًا لمَقدَم أبيه، فلما رجع إلى البيت فسأله:"هل قدمت لهم الغداء؟"قال:"لا، أنتظرك"، فغضب أبوبكر وضربه، قال: وفي أبي بكر غضبة، كان يغضب ولكن تلك الغضبة التي تكون في موقفها.
القصد أن عمر-رضي الله عنه- كان شديدًا وأبو بكر فيه لين، لما أَقْطَع أبو بكر قومًا من العرب جبال الملح فخرجوا، أقطعها للأقرع بن الحابس ولبعض المؤلَّفة قلوبهم، فلما خرجوا سألهم عمر:"ماذا معكم؟"قالوا: أقطعنا أبو بكر جبال كذا وكذا من الملح، فعمر أخذ منهم الوثيقة ومزّقها وقال:"ليست ملكه، هذه للمسلمين"، وكان عمر -رضي الله عنه- يرى أنه قد ذهب تحقُّق سهم المؤلفة قلوبهم، قال:"المؤلفة قلوبهم هذا في زمن ضعف الإسلام، أما والإسلام عزيز -بمعنى كلامه- فلا نحتاج إلى أن نؤلِّف الناس"، من جاءنا أهلًا وسهلًا ومن ذهب فإثمه على توليه، فرجعوا إلى أبي بكر يقولون: لا ندري أنت الخليفة أم هو؟ ما ندري من الخليفة أنت تعطيها وهو ينقضها، قال:"لو أرادها لأخذها"، فكان الأمر سليمًا.
ثم لما مات الصديق أتعب من بعده، كما قال عمر لما جاء وسأل عن ميراثه وإذا فقط عنده ثلاثة دراهم، قال:"لقد أتعبتَ مَنْ بعدك". وأبو بكر -رضي الله عنه- كان تاجرًا ونزل بعد توليه الخلافة للسوق ليتاجر، قال له: وأين أنت؟ قال:"هذا طعام الأهل نطعمهم ونتاجر"، فردَّه عمر وقال: لا، وجعل له قصعة في الصباح وقصعة في المساء، وكسوة في الصيف وكسوة في الشتاء، وكسوة لاستقبال الوفود، تصور الخليفة العظيم!
وهذا يدلكم على مرتبة أبي بكر، عمر كان يجاهد نفسه لهذا، لذلك قال:"لقد أتعبت من بعدك يا أبا بكر"، فعمر زاهد لكنه يجاهد نفسه لبلوغ المراتب التي بلغها أبو بكر من غير مجاهدة، فهذا يدلكم على فضل أبي بكر، ولو لم