فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 274

عثمان -رضي الله عنه- صابر محتسب، دخل عليه الزبير، دخل عليه طلحة، دخل عليه العبادلة (عبد الله بن عمرو، عبد الله بن عمر، عبد الله بن عباس، عبد الله بن الزبير) ، دخل عليه الحسن والحسين، دخل عليه أبو هريرة، دخل عليه علي، أرسل له قومٌ أبناءهم كلهم، يرجونه أن يثور على هؤلاء الثوار فيستأصلونهم، وطلب منه البعض أن يترك المدينة ويذهب إلى مكة أو يذهب إلى الشام وهو يرفض كل هذه العروض، يأتون إليه حاملين سيوفهم، يقول لهم:"إذا كانت ما زالت لي البيعة في أعناقكم فارجعوا إلى بيوتكم"، والثوار لا يزدادون إلا جهلًا وقبحًا حتى دخلوا عليه فقتلوه وذبحوه، وهو صائم محتسب، مادٌّ المصحف أمامه يقرأ فيه، وقال كلمته الشهيرة التي هي عنوان لما سيحدث بعد ذلك في كل تاريخ الإسلام:"والله لئن قتلتموني لا تجتمعون على قتال عدو بعدي أبدًا".

فكان ذبحه هو باب الفتنة، والتي فُتحت قبل ذلك بموت عمر، قال حذيفة -رضي الله تعالى عنه-:"إن بينكم وبين الفتن بابًا"، قال له عمر:"يُكسر أم يُفتح؟"، قال:"بل يُكسر"، يعني لا يعاود الإغلاق، فقال بعضهم لعبد الله بن عمر:"هل كان يعرف عمر أنه هو الباب"؟ فقال:"كان يعرف كما يعلم أن اليوم دون غد"، وقُتل عمر -رضي الله تعالى عنه- على يد أبي لؤلؤة المجوسي، وهو مشرك، ففي موطأ الإمام مالك بسند صحيح أن عمر -رضي الله عنه- قال:"الحمد لله الذي جعل قتلي على يد رجل لم يسجد لله سجدة"، وكذلك عثمان دخل عليه الثوار فقتلوه صابرًا محتسبًا في بيته.

في الحقيقة سأقف وقفة يسيرة على أوهام الناس بتفضيل علي على عثمان، وهذا خطأ؛ وعليّ لا يعدل عثمان في الفضل ولا في الدين ولا في الورع ولا في العلم حقيقةً. وأنا أعجب أن الناس لا يعرفون فضل هذا الشيخ الجليل الذي قُتل وهو في الثانية والثمانين من عمره! دخل محمد بن أبي بكر الصديق وقبضه من لحيته، فقال له:"لو رآك أبوك لغضب منك"، كيف تمسكني من لحيتي؟! لكن هكذا القلوب لما تقسو، ولما تلعب بها الفتن.

كيف نفضل عثمان على علي؟ أبو بكر واضح أمره، عمر واضح أمره، لكن إذا وقع الخلاف بين عثمان وبين علي؛ كيف تقع المفاضلة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت