الشرعية، وعندهم يمكن أن يقع في ملك الله -عزَّ وجلَّ- ما لا يحبه ولا يرضاه ولا يريده. عند الجبرية يقولون لا يقع في ملك الله إلا ما يحبه ويرضاه وهو الذي يريده.
ودائمًا أهل البدع بينهما اتفاق، والآن القدريَّة والجبريّة بينهما اتفاق، أي يجعلون الحقيقة الكونية والحقيقة الشرعية حقيقة واحدة. القدرية يجعلونها الحقيقة الشرعية، والجبرية يجعلونها الحقيقة الكونية. ولذلك عندهم من شرب الخمر إنما شربها بإذن الله، وإذن الله لا يقع في هذه الدنيا إلا لما يريده وما يحبه، هؤلاء هم الجبرية.
ويقولون إن الإنسان مجبور، أما هناك لا، الإنسان عندهم مخيَّر، والله -عزَّ وجلَّ- لا تتدخل مشيئته في شيء، فيُمكن للإنسان أن يخالف مشيئة الله. وهؤلاء قالوا: يمكن للإنسان أن يخالف مشيئة الله، ومشيئة الله هي محبته، مشيئة الله موافِقة لمحبة الله -سبحانه وتعالى-، هذا هو العدل.
طبعًا كل ما تخافه المعتزلة من عدم وجود التنزيه لله هو موجود عند أهل السنة، لأنهم تصوروا أن علم الله السابق لا بد أن يسوق الإنسان فنفوا العلم. ظنوا أن الكتابة يمكن أن تجبر الإنسان على الفعل فنفوا الكتابة. ظنوا أن مشيئة الله بحدوث الفعل هي إجبار لمشيئة الإنسان بالإيجاد فنفوها. ظنوا أن خلق الله للفعل هو إجبار للإنسان، يعني الله يخلق فيك الفعل، قالوا: كيف الله يخلق فيك الفعل وبعد ذلك يكون لك الخيار ألا تفعل؟ إذًا لا يصح هذا، فأفضل طريقة هي أن ننفي أن الله يخلق فيك الفعل. قالوا: كيف الله يريد أن يخلق الإرادة فيك، ولا يمكن أن تفعل؟ إذًا ننفي الإرادة.
وكل هذا باطل لأن هذا كله لا يتعارض، فعِلم الله سابق وليس سائقًا.
قد يقول قائل: هل يمكن أن يقع في الدنيا ما لا يعلمه الله؟ نعوذ بالله. هل يمكن لإنسان في هذه الدنيا أن يقع له شيء في الدنيا دون أن يكتبه الله؟ نعوذ بالله. هل يمكن لشيء في الدنيا أن يقع دون أن يشاء الله؟ نعوذ بالله. هل يمكن لشيء في الدنيا أن يقع دون أن يخلقه الله؟ حتى إراداتك، حتى الصلاة.
ولذلك أنت تدعو تقول: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ} ، إذًا أنت تدعو الله -عزَّ وجلَّ- أن يجعلك مقيم الصلاة، لكن لما استجاب الله لك وجعلك مقيمًا للصلاة {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} ؛ هل حدث هذا بإرادة كاملة منك؟ نعم، إرادة كاملة منك، أنت لست مجبورًا عليها، لكن الله زيَّنها في قلبك وأعانك عليها.