فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 274

زيَّنها لتنشأ الإرادة التي تبتغي وجه الله وأعانك بأن سهَّلها، لأنه لو شاء لجعلها صعبة عليك، فأنت تدعو تقول: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ} ، كيف للدعاء أن يكون له حقيقة على قول القدرية؟ أنت تقول: ربِّ اجعلني مقيم الصلاة، وهم لا يتصوَّرون أن يحدث الله فيك إرادة الصلاة، أو أن يعطيك قوة أنت لا تريدها في الصلاة.

ومن هنا فالعدل عندهم مُنتَقِض وإنْ نسبوا هذا العدل إلى الله، ولكنه في الحقيقة يناقض تنزيه الله، ويناقض قدرته، ويناقض إحاطته -سبحانه وتعالى- للمخلوقات.

هذا كان موضوع العدل والتوحيد مررنا عليه سريعًا.

نأتي إلى الثالثة وهي: الوعد والوعيد:

أهل السنة يقولون:"إن كل ما أخبرنا به الله -عزَّ وجلَّ- عن أجرٍ لعمل الصالحات لا بد أن يقع ما دام أن العمل الصالح قد اكتملت أركانه فلا يمكن أن يتخلَّف الجزاء. هل يمكن أن الله يقول عن الصلاة من ركع فله أجر كذا، وبعد ذلك يتخلَّف ولا يُعطي الله -عزَّ وجلَّ- الأجر؟ نعوذ بالله، فكل طاعة اكتملت أركانها في شريعتنا لا بد أن يكون لها الجزاء في الدنيا."

ويقولون: إن الله من رحمته وسَّع باب الجزاء فالحسنة بعشر أمثالها، ويمكن أن تكون الحسنة إلى سبعمائة ضعف وهكذا، بل يمكن -وهذا من باب رحمته بشفاعة نبي، برحمة الله الواسعة- أن تكون درجة الإنسان في الجنة في مستوى كذا فترتفع، كأن يُلحق به ذريته {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} .

فإذًا العمل الصالح عندنا لا بد أن يقع الجزاء عليه، ويمكن للجزاء أن يزيد. ويمكن أن يُعطى من غير عمل يؤتى يوم القيامة (قومًا لم يَعْمَلُوا خيرًا قَطُّ) [1] ، أين يُذهب بهم؟ إلى الجنة.

الجهنَّميُّون كما في صحيح البخاري، (يخرج قوم من النار بعدما مسهم منها سفع، فيدخلون الجنة، فيسميهم أهل الجنة الجهنميين) [2] ، ومع ذلك يخرجون منها ويُغمَسون في ماء الحياة ثم تعود نضارتهم فيدخلون الجنة. بماذا دخلوا الجنة؟ بأعمالهم أم برحمة الله؟ برحمة الله.

(1) والحديث موجود في صحيح مسلم: (183) وفيه: (فيقولُ اللهُ عز وجل: شَفَعَتِ الملائكةُ وشَفَعَ النَّبِيُّونَ وشَفَعَ المؤمِنونَ، ولم يَبْقَ إلا أَرْحَمُ الراحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً من النارِ فيُخْرِجُ منها قومًا لم يَعْمَلُوا خيرًا قَطُّ. قد عادوا حِمَمًا، فَيُلْقِيهِم في نهرٍ في أَفْوَاهِ الجنةِ يُقالُ له نهرُ الحياةِ، فيَخْرُجونَ كما تَخْرُجُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ) .

(2) صحيح البخاري: (6559) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت