فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 274

وتحصل له المرتبة العظيمة؛ وهي مرتبة الشفاعة التي يدفعها الأنبياء عن أنفسهم، فكل نبي يذكر ذنبًا، ولا تتصوروا أن ذنوب الأنبياء كذنوب بقية الخلق؛ إنما هي ذنوب في مقاماتهم، كما قال بعضهم:"حسنات الأبرار سيئات المقربين".

فإبراهيم -عليه السلام- يذكر ذنبًا، ولا حاجة للتطويل لذكر ذنبه، وموسى يذكر ذنبًا، وعيسى يدفعها يقول:"لست لها"ولا يذكر ذنبًا، ويقوم لها المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، فيسألونه أن يشفع لهم عند ربهم، فيقول: (أنا لها، أنا لها) ، ويلقي نفسه - صلى الله عليه وسلم - تحت قوائم العرش ساجدًا ويدعو ربه، فيفتح الله -عز وجل- عليه من المحامد ما لم يفتحه على إنسي قبله ولا إنسي بعده، فيحمد الرب، والله -عز وجل- في ذلك اليوم يغضب غضبًا لم يغضبه قط، فيبقى رسولنا - صلى الله عليه وسلم - حامدًا، حتى يُرْضي ربه ويأذن بحساب الخلق، فهذا من المقام الخاص لرسولنا - صلى الله عليه وسلم -.

ثم خُصّ هذا النبي -عليه الصلاة والسلام- بخصائص خاصّة عن بقية الأنبياء بالشرائع له؛ ومنها سقوط تكاليف كانت تكون على الأمم السابقة من قبيل العذاب عليهم؛ كعدم قبول توبة الإسرائيلي اليهودي حتى يقتل نفسه، ومنها عدم قبول إسقاط النجاسة عن الثوب حتى يخرقه ويزيل قطعة منه، فهذه الإِصَر والعذاب والمشقّة التي كانت على الأمم السابقة أسقطها الله عن هذه الأمة بفضل رسولنا - صلى الله عليه وسلم -.

وكذلك أُحلت له الغنائم، يقول - صلى الله عليه وسلم: (لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم) [1] ؛ وانظروا إلى قوله: (سود الشعر) ، وهذا لفظ غريب في الحديث يدل على أنّ الشُقْر -أصحاب الشعر الأشقر- ليس عندهم أنبياء، فقال: (لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم) ، فأُحلت الغنائم، وكانت الغنائم فيما مضى من شرائع الأنبياء السابقين يجمعها النبي فتنزل نار من السماء فتحرقها.

وكذلك جُعلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - الأرض مسجدًا وطهورًا؛ فحيث ما حضر المسلم يجد طهوره ويجد مكان صلاته، واليهود كان الواجب عليهم أن لا يصلُّوا إلّا في خيمة الاجتماعات، ثم لما بُني الهيكل كان الواجب أن يصلوا في الهيكل، وأن يُقدّموا مُحرقاتهم فيه، وهكذا.

(1) صححهُ الألباني في صحيح الترمذي: (3085) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت