والحاكم بأمر الله أظهر نكارته لما أظهر محمد بن إسماعيل الدرزي، لكنه حماه وأعطاه أموالًا وقال له: اذهب وادعُ لهذه الدعوة في غير هذا المكان. فخرج محمد بن إسماعيل الدرزي، -الدرزي لعله كان على قاعدة العامية المصرية (الترزي) يعني أنه هو الذي يُطرِّز أي الخياط، لم يذكر أحد من أهل الفرق شيئًا من هذا لكن لعلها هكذا-. فخرج وجلس في الجبل في (وادي تيم) في بلاد الشام، وبدأ يدعو لنحلته فاستجاب له جماعة من الباطنيين.
والدرزية في مصر قُضي عليها بشيئين:
الشيء الأول: قضى عليها العبيديون الإسماعيليون أنفسهم؛ لأنهم رأوا فيها دينًا يُخالف ما هم عليه، فحاربوها أشد المحاربة، ولم يستطع الحاكم أن يتبناها، فبدأت دعوتهم سرًا لكن لم يستجب لها الكثير. فلما خرج محمد بن إسماعيل الدرزي إلى وادي تيم هناك بدأت الدعوة إلى نِحلته واستجاب له أقوام، وسموا أنفسهم بالموحِّدين.
وكلمة (الموحِّدين) هذه استخدمها كل من هبَّ ودبَّ؛ (دولة الموحدين) في المغرب صاحبها المهدي بن تومرت، وهو من غلاة النُّفاة على مذهب الجهمية، وهو الذي قضى على الدولة السلفية الطيبة وهي (دولة المرابطين) التي أنشأها يوسف بن تاشفين -عليه رحمة الله-، وكان يوسف بن تاشفين على مذهب أهل الحديث وعلى طريقتهم في إثبات الأسماء والصفات، لكنه كان مالكيًا متشدِّدًا.
المهدي بن تومرت كان خبيثًا في معتقده حتى كفّر المرابطين؛ قال:"لأنهم يقولون بالتجسيم، كما هي التهمة اليوم للمُثبِتين من أهل السنة؛ الذين يُثبِتون ما أثبته الله لنفسه -سبحانه وتعالى- من غير تأويل ومن غير تشبيه ولا تحريف."
فهذا سمى دولته (دولة الموحدين) ، المعتزلة ماذا يسمون أنفسهم؟ (أهل العدل والتوحيد) ، فهكذا ترى العبارة الواحدة ينطق بها ويسمي كل واحد منهم نفسه. والشعارات في ديننا لا قيمة لها، واحد يقول لك: أنت مرجئ، واحد يقول لك: أنت خارجي، الشعارات لا قيمة لها، لا يُدعى يوم القيامة بالشعارات، أهل قريش كانوا ينتسبون لإبراهيم -عليه السلام-، شعارهم:"نحن أولى الناس بإبراهيم"، والقرآن نفى هذا: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ} .