فمثلًا أنت تأخذ الثوب وتُقدِّره أي تُفصِّله، تأخذ أبعاده؛ طوله، عرضه، قياسه، وبعد ذلك تقوم بتفصيله، وبعد ذلك بخياطته، فإذا انتهيت منه قلت:"قضيتُ الأمر". كقوله -عزَّ وجلَّ-: {قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} ، أي قد تم ذكر تفسير خبر الرؤية.
فإذًا هناك تقدير (تفصيل) للأمر، وهناك انتهاء منه.
والتقدير لا بد أن يكون مبنيًا على علم:
فأول مراتب القدر هو العلم:
فعلم الله -عزَّ وجلَّ- صفة من صفاته، وهو علم مطلق شامل ليس بمحدود، فربنا -سبحانه وتعالى- عالم كل شيء، يعلم الشيء قبل وقوعه تمام العلم، ويقع الشيء حسب علمه. ويعلم ربنا كذلك الشيء الذي لم يقع لو وقع كيف يكون كقوله -عزَّ وجلَّ-: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} ؛ فالله -عزَّ وجلَّ- علم أنه لو أسمعهم لما انتفعوا مع أنه لم يسمعهم، وهو هنا سماع الفهم والاتباع.
فالسماع والعلم على معنيين: العلم بمعنى معرفة الشيء، والعلم بمعنى متابعة الشيء، والسماع إدراك الشيء ومعرفة مراده، والسماع بمعنى متابعة الشيء.
فقوله هنا {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} أي نوع من الإسماع؟ هل هو إسماع الإدراك والفهم؟ أم هو إسماع المتابعة والهداية؟ إسماع المتابعة والاتباع والهداية، وذلك لأنهم سمعوا. لما قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن على قريش هل سمعته؟ نعم سمعته، هل فهمت المراد منه؟ وماذا يريد منهم هذا الداعي - صلى الله عليه وسلم -؟ نعم، لكن قوله: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} ، كقوله -عزَّ وجلَّ-: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} فهذا هو سماع الهداية، وسماع المتابعة.
وهذه نقطة لها بحث في موضوع إقامة الحجة فاحفظوها؛ لأن بعض المخالفين كفّر من لم تقم عليه الحجة في بعض مسائل الدين، تحت دعوى أن الله -عزَّ وجلَّ- منعهم من السماع لعلمه أنهم لو سمعوا ما اتبعوا، وهذا باطل. يعني يقولون: إذا قيل لهم: إن هؤلاء جهلة، علموا ما أنزل الله على رسوله من التوحيد، فجاءهم الرسول قال لهم: قولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، لكن لم يعلموا ما يجب وما يقتضيه هذا التوحيد عليهم من واجبات، فالأصل أنهم معذورون لعدم وجود الحجة الرسالية.