فقالوا: لا، هؤلاء محجوجون ولو لم تأتهم الحجة الرسالية، ولم يُقِم الله عليهم الحجة الرسالية، لأنه لو أسمعهم لتوَّلوا وهم معرضون، فعلم الله -عزَّ وجلَّ- أنهم إذا سمعوا الحجة لن يتبعوها.
وهذا خطأ لقوله -عزَّ وجلَّ-: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} ، فالرسول يسمعه الناس جميعًا، هناك من يتبعه وهناك من لم يتبعه وهو حجة الله على الخلق، فالله حُجَّته على الخلق في قضية الثواب والعقاب هي الرسالة، أما الحجج الأخرى كثيرة. أما التي تعلق بها الحسنة والسيئة فهي الرسالة (الشرع) ، وهذا انتبهوا له؛ لأنني وجدت البعض ممن يتدين بدين الخوارج يكفّر كل جاهل في أي مسألة تحت دعوى أن هؤلاء كفار، ولأن الله -عزَّ وجلَّ- لم يُسمعهم لعلمه أنه لو أسمعهم لن ينتفعوا بسماعهم. وهذا باطل؛ فالسماع المقصود به هنا هو سماع الهداية والاتباع. وأما مجرد معرفة الشيء فهذا سمعته قريش والخطاب لهم.
إذًا عِلْم الله -عزَّ وجلَّ- محيط بكل شيء، إذ كل شيء هو خلقه، وهل يُعقل أن يخلق ربنا ما لا يعلم؟!
ما هو الأقوى؛ العلم أم الإيجاد؟ ما هو الأصعب؟ الإيجاد، الآن أنت تعلم وجود أمريكا، لكن هل تستطيع إيجادها؟ لا تستطيع؛ فالإيجاد أصعب من العلم. الإيجاد من تعلُّقاته وجود العلم، لا يمكن أن يكون هناك إيجاد فيه حكمة إلا وهو مرتب على وجود العلم فيه. لا يمكن للمرء أن يوجد شيئًا إلا إذا علمه، لما إنسان يصنع شيئًا، تمثالًا، لا بد أن يكون عالمًا بهذا التمثال كيف شكله، فهو يذهب ويرسم هذا التمثال على ما وفق ما علمه في تصوُّره في ذهنه.
القصد -أيها الإخوة- أن الصفة الأولى التي فيها تعلُّق القضاء والقدر هي صفة العلم، وهذه أشمل صفة للرب، فهي حاوية لكل شيء.
الإيجاد أدنى من العلم، لماذا؟ لأن الله علم ما كان وما لم يكن، ولكن تعلُّق الخلق فيما كان. ولا تعلق لصفة الخلق فيما لم يكن، ولكن صفة العلم لها تعلق بما كان وما لم يكن، فأشمل صفة للرب هي صفة العلم، وهذه منكرها كافر.
كان الإمام أحمد -عليه رحمة الله- حين يعلّم تلاميذه مُحاججة القدرية من المعتزلة يقول:"حاججوهم بالعلم، فإن أنكروه كفروا"؛ لأن الذي ينكر صفة العلم لا بد أن يتصوَّر ربًا جاهلًا، وإلصاق صفة الجهل بالرب كفر به -سبحانه وتعالى-.