هل يحدث الشيء في الخلق من غير إرادته؟
نحن نتكلم عن الإرادة القدرية، يعني الإرادة الكونية؛ أي الإرادة التي تعلق لها بالوجود وعدم الوجود، ليس لها تعلق بالمحبة والبغض. التي لها تعلق بالمحبة والبغض هي الإرادة الشرعية، وهي التي لها تعلق بالأمر؛ يأمرك أن تفعل أو لا تفعل. يعني هل يكون في الأرض ما لا يحب؟ نعم، مثل كفر الكافرين. لكن هل يكون في الأرض ما لا يشاء؟ لا يمكن.
فهذا شرح بسيط، ولكن سنضطر عند مناقشتنا لبعض الفرق أن نتوسع في كل نقطة.
معبد الجهني جاء وقال إن الله -عزَّ وجلَّ- لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، وهو نشأ في البصرة، والبصرة غلب عليها القول بالقدر، ولذلك إذا اتُّهم المحدِّث بالقدر وكان بصريًا لا يضره هذا، لأنه كما غلب على أهل الشام النَّصْب وكما غلب على أهل الكوفة التشيُّع فغلب على أهل البصرة القول بالقدر.
فجاء قوم من أهل العراق إلى ابن عمر وهو في الحجاز - (والحديث في صحيح مسلم) -، فقالوا له:"إن رجلًا عندنا يتقعَّر في العلم ويقول إن الأمر أُنًف"، يعني إن الله -عزَّ وجلَّ- لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، فابن عمر قال:"أخبروه أني بريء منه وهو بريء مني".
هذه المجموعة من القدرية نفت المرتبة الأولى، وليست كلها، إنما نفت العلم بالشيء قبل وقوعه. طبعًا بعض الفلاسفة وهم الأغلب -كما يُقال لهم الفلاسفة المشَّاؤون- يقولون بأن الله يعلم الكليَّات ولا يعلم الجزئيات، يعلم بوجود أرض لكن لا يعلم ما هي أجزاء الأرض، يعلم وجود إنسان لكن ما هو هذا الإنسان لا يعلم. وهذا كلام باطل وفاسد لا نمر عليه.
لكن أول من أحدث القول بالقدر بنفي علم الله -عزَّ وجلَّ- الأزلي السابق لما سيكون هو معبد الجهني، هذا رجل وقف له عالم من علماء السنة اسمه مسلم بن يسار في البصرة وظل يُحرِّض عليه، كان يجلس في المسجد ويتكلم عنه حتى قام عبد الملك بن مروان سنة 80 للهجرة وقتل معبد الجهني.
ومعبد الجهني أخذها من رجل نصراني، وأخذها عنه رجل آخر من دمشق اسمه غِيْلان الدمشقي، وكذلك بثَّها ونشرها في الناس، فقام هشام بن عبد الملك سنة 106 للهجرة وقتل غيلان الدمشقي.
هذا هو الأصل في مبدأ القدر.