فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 274

فالعبادة التي عليها الصحابة وعدم الانشغال بالتعمُّق الفكري الذي لا ضرورة منه، فالتعمق الفكري والتفكير دين يستغرق جميع العبادات كما قلت لكم مرة، إن التفكير هو أعظم عبادة في الإسلام، تقول أم الدرداء الصغرى:"إن أعظم عبادة لأبي الدرداء كانت التفكر"؛ فالفكر مهم ولكن التفكير الفلسفي المنطقي - كما قال شيخ الإسلام عنه-:"كلحم جمل غثّ على رأس جبل وعر؛ لا سهل فيُرتقى ولا طيِّب فيُنتقى"، يعني ليس سهلًا ولا طيبًا.

فالتفكير المنطقي يورث الخصومات التي تُشتِّت الأمة، ولذلك ما انتشرت البدعة الكلاميَّة في الأمة إلا وكانت الغلبة للكفار ولأهل البدعة على أهل الإسلام. انظروا لما حدثت الفتن الأولى وغلب أهل البدعة؛ جاء التتار والصليبيون وحدثت الفتن والحروب بين أهل الإسلام، وقد فصَّلنا شيئًا يسيرًا عن غلبة الباطنية على الأمة، كيف غلبت على مصر وعلى الجزيرة العربية حتى وصلت ودخلت دمشق، كيف غلبت على المشرق الإسلامي فيما يُقال له وراء النهر، حتى في خراسان التي هي الآن أفغانستان، وما وراء النهر حتى يُقال لها الجمهوريات الإسلامية المستقلة عن روسيا. من الذي جعل هؤلاء الزنادقة يحكمون الأمة؟ هو غلبة الكلام، انتشار الكلام لا قيمة له.

الآن أنت مطمئن، أنا عبد لله، الله -عزَّ وجلَّ- قادر على كل شيء، ولا يُعجزه شيء، وأني أعمل بتوفيق الله إن عملت طاعة، وأن الله خلَّى بيني وبين المعصية وحُرمت العصمة والتوفيق، وأنا أدعو {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} ، فأنت تفهم هذه فهمًا فطريًا، وهذا هو الدين.

وبعد ذلك يكون انشغال المسلم بمثل هذه المسائل يسير، وانشغاله الأكبر بالعمل، وينشغل بالعبادة كالصلاة، وذكر الله، تكون له الأوراد في ليله ونهاره، تكون له الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، تكون له قراءة القرآن، تكون له الصدقة، يكون المسلم الفاعل أو كما أسميه دائمًا يكون المسلم الصحابي الذي يعمل.

ولذلك علاج عمر لأصحاب الكلام المتعِّمق النظري الذي لا يورث إلا كثرة الكلام وبالنتيجة كثرة البدع، عالجهم بأي طريقة؟ ما عقد المناظرات ولا مجالس العلم، فإن صبيغ بن عسل -على خلاف في اسمه ابن عسل أو ابن أسيل، لم يضبط الرواة اسم هذا الرجل- بدأ يسأل أسئلة في المتشابه في القرآن فجاء إلى عمر وعمر عالجه بأفضل طريقة، أخذه وأقامه في الشمس وضربه، يمر عليه في الفجر يضربه، يمر عليه في الظهر يضربه، وهو يقيم في الشمس. فبعد ثلاثة أيام قال له:"يا عمر إن أردت قتلي فأحسن قتلي، أما إذا أردت أن يخرج الشيطان من رأسي فوالله قد خرج".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت