وممن نُسب إلى التجسيم مقاتل بن سليمان، وهذا إمام بحر في التفسير، وروى له الإمام البخاري وأخذ عنه الإمام الشافعي؛ فكثيرًا في كتاب (أحكام القرآن) ما يروي الإمام الشافعي عن مقاتل بن سليمان في التفسير، وهو مع ذلك نُسب للتجسيم، وهذا يُشكِّك في أن رجلًا يقرأ القرآن ويقول بالتفسير ويكون حجة في تفسير القرآن ثم يأتي ويُجسِّم الرب! لكن لفظ"الجسم"موهم، وهذا خطأ يقع فيه المتأخرون حين يُنزلون ألفاظ القدماء على ما استقرَّ عليه الاصطلاح عند المتأخرين.
فلفظ الجسم لم يأتِ له مُثبتٌ ولا نافٍ في الكتاب والسنة، إنما نفى ربنا الِمثليَّة في قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، فلو قال أحد: هل الله شيء؟ كما قال عبد العزيز الكناني في مناظرته المشهورة لبشر المريسي في كتاب (الحِيْدة) [1] -ويخطئ الكثير حين يقولون الحَيْدَة-.
ففي كتاب (الحيدة) قال عبد العزيز الكناني -صاحب الشافعي- لبِشر:"هل الله شيء؟"، شيء في كلام المتأخرين لا تُطلق إلا على المخلوق، لكنها تُطلق في لغة العرب على إثبات الوجود، لإثبات هل هو موجود أو غير موجود،
(1) وهذا كتاب شكك الذهبي في نسبته لعبد العزيز الكناني، وهو إمام من أقران الإمام الشافعي. وفي الحقيقة أنه له، لكن الرواية التي وصلت للذهبي فيها رجل مضعَّف، ولكنه رُوي بمرويات أخرى ليس فيها هذا الرجل المضعف من قبل أهل الحديث. وثانيًا الكتب التي تُروى لا تُعامل معاملة الأحاديث في اشتراط ضعف الراوي ولا معرفته، وإلا لضعَّفنا كثيرًا من الكتب التي لم تصلنا إلا عن طريق رجال مجهولين عند أهل الحديث، مجهول أي لم يُوثِّقه أحد، الذي يُقال له"المستور"أو"مجهول الحال"أو"مجهول العين"، هو قد يكون معروفًا وقد يكون حاكمًا أو خليفة لكن يُقال عنه: مجهول، يعني روى عنه واحد ولم يوثِّقه أحد فهذا يُقال له: مجهول العين أو مجهول مطلقًا. وإذا روى عنه اثنان فأكثر يُقال عنه مجهول الحال مستور. أو يرويه رجل مُضعَّف إذا روى من حفظه، لكن إذا روى من الكتاب فهو ثقة.
أبو بكر القُطَيْعي -هذا الذي ليس لنا رواية للمسند إلا له-، وهو تلميذ عبد الله بن أحمد بن حنبل، و (المسند) لم يسمعه من صاحبه الإمام أحمد بن محمد بن حنبل إلا ابناه صالح وعبد الله، لأنه ألفه في آخر عمره، ولذلك كما قال الذهبي:"كثُر فيه عدم الترتيب"، يعني ربما يروي حديثًا لعبد الله بن عمرو بن العاص في مسند عبد الله بن عمر وهذا يقع وموجود. القصد من الذي روى لنا المسند؟ رواه عبد الله عن أبيه، من الذي رواه عن عبد الله؟ أبو بكر القطيعي، وهذا رجل عليه كلام. ومحمد زاهد الكوثري اتهم (المسند) لاتهام هذا الرجل، وهذا باطل.
فلا يُشكَّك في الكتب إذا وصلت إلينا من طريق رجل مجهول، لأنها تصل إلينا عن طريق الوِجادة، تعرفون الوِجَادة؟ من روى البخاري؟ الآن الأسانيد كلها للبركة، من أجل حفظ خاصية الإسناد التي امتازت بها هذه الأمة فقط، وإلى الآن الأسانيد بالرسالة ترسل إلى الشيخ الفكهاني إلى الشيخ الفاداني في مكة تكتب له: أعطني الإجازة في كتبك، فيرسل لك الإجازة في كل مروياته، وأنت لم تسمع منه حديثًا وهو لم يسمع منك حديثًا، لكن الإسناد فقط لبقاء مزية الإسناد لهذه الأمة.