(مسند ابن حزم) ، وشيوخ ابن حزم هم شيوخ يوسف بن عبد البر ومشايخه بنفس الرتبة. المهم خُتمت المناظرة بهذا الكلام، وأنا أشجع أن ابن حزم غلب، ولكن ليست الغلبة التي كانت ظاهرة على السابقين.
ذكروا فقط قصة أخيرة حصلت بينهما أن أبا الوليد الباجي قال لابن حزم:"سامحني فأنا لستُ مثلك، أنا طلبت العلم على السُّرُج وفي الليلة الظلماء حتى كَلَّ بصري"، يُعرِّض بابن حزم أنه ابن وزير، وطلب العلم على المجامر واللؤلؤ وعلى النور وفي القصور، فابن حزم لم يُفوِّتها وقال له:"نعم، أنت طلبتها لتصبح مثلي -أي لتَغتَني-، أما أنا فطلبتُ العلم للعلم لا لشيء غيره"، وقال:"أنا طلبته على السُّرج وفي القصور"، يُعرِّض بذلك أن الدنيا يمكن أن تشغل الإنسان عن العلم.
رحم الله أئمتنا، نرجع إلى قضيتنا، فجاء هذان الرجلان من الأئمة الكبار، والتقيا بكبار الأشاعرة فحملا طريقة الأشاعرة إلى المغرب، طبعًا هما أخطآ بلا شك.
للأسف جاء بعد ذلك رجل سيء، ليس بمرتبة هذين العالمين في الديانة ولا في العلم وهو المهدي بن تومرت، وتتلمذ على يد الغزالي، ورجع ونشر مذهبه الذي يقال له (دين الموحِّدين) ، ولم تُنشأ الدولة في عصره، بل أُنشئت بعد مماته. والغزالي ذهب إليه، حتى إذا وصل إلى مصر وصله خبر وفاة المهدي، فرجع من مصر إلى طوس ومات في بلدته.
القصد أيها الاخوة أن الأشعرية انتشرت بفعل تلقي علماء الشافعية وهم الأغلب، والمالكية وهم الأغلب، والحنابلة قلة، وصدق ابن حزم أن المذاهب لا تنتشر إلا بالدولة، وأخطأ ولكنه أصاب؛ أصاب من جهة أن الدولة إذا تبنَّت المذهب انتشر، وانظروا الأمثلة:
لما انتشرت الدولة الأيوبية نشرت الأشعرية فانتشرت. لما دولة المرابطين ليوسف بن تاشفين تبنت المذهب المالكي انتشر، حتى الآن؛ ما الذي نشر المذهب الحنبلي؟ تبني الدولة السعودية.
لكن في الحقيقة ليس فقط الدولة، هناك شيء آخر نبهنا عليه الإمام الشافعي عندما قال -عليه رحمة الله-:"الليث أفقه من مالك، لكن أصحابه لم يقوموا به".