فغير عقيدته من الاعتزال إلى مذهب الكُلَّابية -مذهب أبي سعيد الكُلّابي-، وهو ظن أنه انتقل من مذهب الاعتزال إلى مذهب أهل السنة والجماعة، نعم غيَّر كثيرًا من أقواله إلى أقوال أهل السنة والجماعة ولكن في الحقيقة لم يصل لمذهب أهل السنة كما سنبيّن في مذهب الأشاعرة، فلم يصل إلى ما هو عليه أهل السنة في خلوص وصواب آرائهم، بل بقي عند أبي الحسن الأشعري بعض الدَّخن.
وتحدثت سابقًا عن الأسباب؛ منهم من قال أنه رأى رؤيا؛ رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له:"لماذا لا تَنصُر مذهبي؟ لماذا لا تنصر سنتي؟"، فرجع، وقيل أنه ناظر أبا هاشم الجُبائي في موضوع وجوب الأصلح على الله في ثلاثة أبناء؛ اثنان منهما كبُرا، كان أحدهما كافرًا والآخر مسلمًا والثالث مات صغيرًا، -وقد شرحته في (أشرطة الإيمان) -.
المهم أن أبا الحسن الأشعري رجع عن الاعتزال وصار قريبًا من أهل السنة، ثم حدثت معه فتن، فلما دخل بغداد أعلن أنه على مذهب أحمد وأنه على طريقته، كما ألف كتابًا في هذا وسمَّاه (الإبانة) ، لكنّ الحنابلة في بغداد لم يقبلوا منه قوله، وخرج إمام حنبلي شهير هو البَرْبَهاري، وهو إمام فيه جَلَد على السُّنة، وطرده من بغداد وقال له:"أنت لم تتغير".
وبعضهم قال أنه ألف كتابه (الإبانة) تَقَرُّبًا للحنابلة، وهذه الخصومة اضطرت هبة الله ابن عساكر أن يؤلف كتابًا سماه (تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري) ، -لأنه من مدينة العسكر، ومدينة العسكر هي مدينة سامراء"سُرّ من رأى"، وسُمّيت مدينة العسكر لأن المعتصم عندما بناها جعلها خاصة العسكر؛ لأن العسكر كانوا من الترك فصاروا يَفْجُرون ويقابلون الإماء في بغداد، فبنى لهم مدينة سمّيت بمدينة العسكر سامراء"سر من رأى"-، ثم ردّ جماعة من الحنابلة على هبة الله ابن عساكر بألفاظ شديدة وقالوا له:"كذبت على الناس وسميت أقوامًا أنهم من الأشاعرة وهم ليسوا كذلك"، وبالفعل ابن عساكر هذا الإمام العظيم الدمشقي توسَّع كثيرًا في نسبة بعض العلماء إلى مذهب الأشاعرة وليسوا كذلك.
المهم أن أبا الحسن الأشعري إمام جليل عظيم، وله صولات وجولات في نصرة مذهب أهل الحديث، ولكنه لم يصل إلى الدرجة العالية في فهم مذهب أهل السنة، وسنبيّن أخطاءه فيما يأتي في ذكر الفرق، وقد ألف مجموعة من الكتب؛ ألف كتاب (رسالة إلى الثَّغر) و (الإبانة) ، وألف (مقالات الإسلامين) ، ولا يوجد كتاب على ظهر الأرض