فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 274

فدخل عمر وجلس بجانب أبي بكر، ثم جاء عثمان فاستأذن الدخول إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء أنس واستأذن رسول الله أن عثمان بالباب: فقال: (ائذن له وبشره بالجنة مع بلوى تصيبه) .

وكذلك حديث الذَّنوب الذي ذكرناه في الدروس السابقة، إذًا كان يعلم أن له بلوى.

وأيضًا لأنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام وبشَّره، وقال له: (يا عثمان، إنك تفطر عندنا الليلة) [1] ؛ فأصبح صائما وقتل من يومه.

وأنا حقيقة لما أتذكر مقتل هذا الشيخ أتعب، لا أتصور أن رجلًا هكذا يقتله أقوام! عثمان كان خير من يدُبُّ على الأرض في عصره، ومع ذلك يدخل هؤلاء الغوغاء، من أجل ذلك تغير الحكم بعد عثمان وما سَلِم الأمر لعلي، ولما بدأ الحكم ما كان له ضرورة إلا السيف، الناس غوغاء ما ينفعهم أمر، لما جاء رجل إلى علي قال له:"لماذا عصرك عصر فتنة وقتال، وما رأينا هذا في عهد أبي بكر وعمر؟"، قال:"لأن أبا بكر حكم أمثالي وأنا حكمت مثلك"، فلذلك كما قال ابن تيمية:"افترق السلطان والقرآن، افترق العلم والقوة، افترق القرآن والحديد".

فإذا علم المرء أنه مقتول فلماذا يُريق الدماء من أجله؟

-السبب الثاني: أنه رفض أن يكون أول من يريق دماء المسلمين من أجله، يموت هو ولا يريق دمًا، وهذه مرتبة عظيمة جدًا، هذه مرتبة -ولا شك أيها الإخوة- لا يقوى لها كل واحد، بل أنني أظن لو أنها عُرضت على عمر لم يقبلها، ليس معنى هذا أن عثمان أفضل من عمر، لا، عمر أفضل؛ ولكن هذه المزية في عثمان عجيبة في تسامحه، تسامح عثمان كان شيئًا عجيبًا وعفوه ورحمته على الناس، يدخل عليه الصحابة يستأذنون لقتلهم، يُقسم عليهم الأيمان:"الزموا بيوتكم أقسم عليكم بالله أن ترجعوا وتضعوا سيوفكم"، هذا رجل عجيب!.

هذه هي الأسباب في الحقيقة، وليس كما يزعم بعض المؤرخين مثل -للأسف- طه حسين لما كتب كتاب (الفتنة الكبرى) ، كذب، ما كانت فتنة كبرى، ولكن هكذا يأتون للحدث الصغير في الأمة ويعظمونه، كما يأتون لحادثة زنا ويضعونها تحت المجهر وكأن المجتمع الإسلامي كله زناة -من قبيل زندقتهم-، وكذلك كما فعل أحمد أمين،

(1) رواه البخاري في التاريخ الكبير وقال: (لا أعرف لعبد الرحمن المدني سماعا من أبي هريرة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت