وعثمان رجل ليس ضعيفًا، هذه نقطة مهمة، عثمان كان بيده أن يمحق الثوار عن بكرة أبيهم ولا يُبقي منهم أحدًا.
وقد طلب منه معاوية أن يرحل إليه إلى الشام ليكون عنده وفي قوَّته، فرفض أن يتخلى عن المدينة وقال:"سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (المدينة تنفي خَبَثها كما تنفي النار خَبَث الحديد) [1] ، ولا أكون من الخبث"، وبقي في المدينة، أما علي؛ فذهب إلى من أرادوا نصرته من أهل العراق، ولم يكن مصيبًا بل تندَّم -رضي الله عنه-، ودعا على أهل العراق الذين طلبوه لينصروه.
ولو أن رجلًا سأل لماذا فعل عثمان هذا الفعل؟
-الأمر الأول: أنه كان يعلم أنه مقتول؛ وهذا العلم حدث له بذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه شهيد. تعرفون قصة جبل أحد، عندما صعد عليه هو ورسول الله وأبو بكر وعمر، فاهتز جبل أحد، وأحد يقول عنه النبي - - صلى الله عليه وسلم: (أُحد جبل يحبنا ونحبه) [2] ، فصعد النبي - صلى الله عليه وسلم - على أحد فاهتز الجبل، والمدينة ممنوعة من الزلازل، قد حرَّم الله -عز وجل- وقوع الزلازل فيها -وإن كانت جزيرة العرب في آخر الزمان جاء في الحديث أن الزلازل ستكثر فيها-، فاهتز جبل أُحد، فضربه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقدمه، وقال: (اسكُن .. ، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) ، إذًا كان عثمان يعلم أنه شهيد وسيُقتل.
وكذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل حائطًا (بستانًا) مورِقًا مثمرًا للأنصار، فجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - على قُفِّ البئر -وقف على فوهته-، فجلس ووقف أنس -رضي الله عنه- حارسًا، وأنس جاءت به أمه -أم سليم- وعمره عشر سنين وجعلته خادمًا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فوقف والنبي - صلى الله عليه وسلم - جالس وكشف عن فخذيه ودلَّى رجليه في البئر، فاستأذن أبو بكر، فاستأذن أنس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أبا بكر في الباب؛ أأذن له؟ قال: (ائذن له وبشره بالجنة) ، فدخل أبو بكر وجلس على يمين النبي - صلى الله عليه وسلم -، وثم بعد ذلك استأذن عمر، فاستأذن أنس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأذن له: (ائذن له وبشره بالجنة) ،
(1) صحيح مسلم: (1384) .
(2) انظروا لهذه العلاقة التي يصنعها الإسلام يصنعها الدين حتى مع الجمادات، الجمادات لها مشاعر، الجِذع لما فارقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخطابة وصعد على المنبر، حنَّ الجذع ونزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحتضنه، وقال: (لو لم أحتضنه لحنَّ إلى يوم القيامة) . يقول - صلى الله عليه وسلم: (كنت أمر على حجر في مكة وكان يسلم عليّ) ، والله يقول بعد أن ذكر مصرع فرعون وجنوده: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ} ، فالجمادات لها مشاعر تسبِّح بحمد الله. والحديث قد روي في صحيح البخاري: (1481) ، وقد روي معلقًا وقد وصله في موضع آخر.