الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا نورَثُ، ما ترَكْناهُ صدقةٌ) [1] ، فغضبت ووجدت في نفسها، وجلست في بيتها، علي -رضي الله عنه- كان يحبها ولا يريد إغضابها، فلم يبايع لأمرين:
-إرضاءً لها.
-ومحبة، أنه كيف أُخذت الخلافة، يعني هو كان يرى لنفسه شيئًا أن يكون هو الخليفة.
فلم يبايع لمدة ستة شهور؛ ولكن لم تتم القطيعة بينه وبين أبي بكر، فقد روى الإمام أحمد في مسنده بسند على شرط الشيخين: أنه في اليوم الذي تلا بيعة أبي بكر الصديق؛ صلى علي -رضي الله عنه- وراءه، فلما خرجوا من المسجد نظر إلى الحسين -وكان يشبه رسول الله-؛ فأخذ أبو بكر الحسين -كما في مسند أحمد وهو سند على شرط البخاري ومسلم-، فأخذه وجعل يلاعبه يرفعه ويرميه ويقول:"بأبي شبيهًا بالنبي، لست شبيهًا بعلي"، وهما يضحكان أبو بكر وعلي، ومع ذلك لم يبايع.
مكثت فاطمة ستة أشهر بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقُبضت -رضي الله عنها-، فأرسل عليّ رسولًا إلى أبي بكر:"تعال لأبايعك ولا تحضر معك أحدًا"، يقصد عمر، فأبو بكر ذهب عنده إلى بيته وبايعه.
والناس كانوا يحترمون عليًا لفضل فاطمة، يعني يرون أنه يريد أن يسايرها فيحترمونه، لما ماتت فاطمة تنكّرت له الوجوه -يعني لا بد أن تبايع-، فقال له أبو بكر وكان حكيمًا:"الناس في قلوبهم شيء عليك، فلا بد أن تبايع في المسجد حتى يراك الناس ويذهب ما في قلوبهم"، فقبل علي -رضي الله عنه- وجاء المسجد وبايعه أمام الناس، فقاموا يعانقونه ويبتسمون في وجهه، فهذا موقف عظيم من عليّ كما ترون. وكان الأولى بأهل الشام أن يكونوا كذلك، يعني أن يدخلوا معه، أو أن يسكتوا ولا يقاتلوا، أو أن يتنازلوا عن الملك ويطالبوا كأولياء للدم، يتنازلون عن إمارة الشام ويطالبون بالولاية ليس بقوة الاستئثار والانفصال عن المسلمين، هذا ما كان ينبغي منهم، ولهذا بعضهم قال لعلي:"أنت لا تُحسن القتال"، قال:"أنا أحسن القتال لكن المشكلة فيكم".
علي -رضي الله عنه- عانى الكثير ولم يطمئن له بال، ووقع بعد خروج الخوارج بين أمرين: أهل الشام يريد أن يدخلهم في طاعته، وبين الخوارج خرجوا عن طاعته؛ يقاتل من؟؟ وبدأ يتمنى الموت -رضي الله عنه- ونهاية هذا
(1) صححهُ الألباني في صحيح الترمذي: (1610) .