وَأَخْرَجَ اِبْن الْمُبَارَك فِي الزُّهْد مِنْ طَرِيق عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ:"لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ إِلَّا يُعْرَضُ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أُمَّتُهُ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً،فَيَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ،لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ،يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا"" [1] "
ويقويه أيضًا حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَىَّ إِلاَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَىَّ رُوحِى حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ » [2] .
وبذلك تسقط الشبهة في رد هذا الحديث،وبقي إشكال تشبث به البعض وهو حديث مروي عن ابن عباسٍ فذكر حديثًا وفيه: « أَلاَ وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِى فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ ، فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُصَيْحَابِى . فَيُقَالُ إِنَّكَ لاَ تَدْرِى مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ . » [3] . فقالوا:هذا الحديث دليلٌ على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يعلم أعمال أمته بعده. حيث استشكل مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: «"حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُحَدِّثُونَ وَنُحَدِّثُ لَكُمْ ، وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ ، فَمَا رَأَيْتُ مِنَ خَيْرٍ حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ ، وَمَا رَأَيْتُ مِنَ شَرٍّ اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ لَكُمْ"» . قال الزرقاني:"قد أجاب بعضهم:بأن مناداتهم لزيادة الحسرة والنكال،إذ بمناداته لهم حصل عندهم رجاء النجاة،وقطع ما يرجى أشدّ في النكال والحسرة من قطع ما لا يرجى،ولا ينافيه قولهم إنهم بدلوا بعدك لأنه أيضًا زيادة في تنكيلهم،وهي أجوبة إقناعية يرد على ثالثها رواية: « فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُصَيْحَابِى . فَيُقَالُ إِنَّكَ لاَ تَدْرِى مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ » ". [4]
(1) - فتح الباري لابن حجر - (ج 14 / ص 279) وعمدة القاري شرح صحيح البخاري - (ج 21 / ص 160و162 ) وتحفة الأحوذي - (ج 7 / ص 345) وسكتوا عليه . والزُّهْدُ وَالرَّقَائِقُ لِابْنِ الْمُبَارَكِ (1778) وفيه رجل من الأنصار لم يسمََّ .
(2) - سنن أبى داود (2043 ) وهو حديث صحيح لغيره .
(3) - صحيح البخارى (4625) ومسلم (7380 )
(4) - شرح الزرقاني على موطأ مالك، (ج 1 / ص 131)