إيمان ولا إسلام .. ذلك أن هذا الأمر بالإيمان باللّه سبقه في الآية التعريف بصفاته تعالى: «الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، يُحيِي وَيُمِيتُ» .. فالأمر بالإيمان هو أمر بالإيمان باللّه الذي هذه صفاته الحقة. كما سبقه التعريف برسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس جميعا.
ثم يتضمن ثانية أن النبي الأمي - صلوات اللّه وسلامه عليه - يؤمن باللّه وكلماته .. ومع أن هذه بديهية ، إلا أن هذه اللفتة لها مكانها ولها قيمتها. فالدعوة لا بد أن يسبقها إيمان الداعي بحقيقة ما يدعو إليه ، ووضوحه في نفسه ، ويقينه منه. لذلك يجيء وصف النبي المرسل إلى الناس جميعا بأنه «الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ» ..وهو نفس ما يدعو الناس إليه ونصه ..ثم يتضمن أخيرا لفتة إلى مقتضى هذا الإيمان الذي يدعوهم إليه. وهو اتباعه فيما يأمر به ويشرعه ، واتباعه كذلك في سنته وعمله. وهو ما يقرره قول اللّه سبحانه: «وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» .. فليس هناك رجاء في أن يهتدي الناس بما يدعوهم إليه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلا باتباعه فيه. ولا يكفي أن يؤمنوا به في قلوبهم ما لم يتبع الإيمان الاتباع العملي .. وهو الإسلام ..إن هذا الدين يعلن عن طبيعته وعن حقيقته في كل مناسبة .. إنه ليس مجرد عقيدة تستكن في الضمير ..
كما أنه كذلك ليس مجرد شعائر تؤدى وطقوس .. إنما هو الاتباع الكامل لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه ، وفيما يشرعه ويسنه .. والرسول لم يأمر الناس بالإيمان باللّه ورسوله فحسب. ولم يأمرهم كذلك بالشعائر التعبدية فحسب. ولكنه أبلغهم شريعة اللّه في قوله وفعله. ولا رجاء في أن يهتدي الناس إلا إذا اتبعوه في هذا كله .. فهذا هو دين اللّه .. وليس لهذا الدين من صورة أخرى إلا هذه الصورة التي تشير إليها هذه اللفتة: «وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» بعد الأمر بالإيمان باللّه ورسوله .. ولو كان الأمر في هذا الدين أمر اعتقاد وكفى ، لكان في قوله: «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» الكفاية!" [1] "
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 1378)