أعطى اللّه- تبارك وتعالى- كلّ نبيّ من الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام من الآيات والمعجزات الدّالّة على صدقه وصحّة ما جاء به عن ربّه ما فيه كفاية وحجّة لقومه الّذين بعث إليهم، وهذه المعجزات كانت وقتيّة انقرض زمانها في حياتهم ولم يبق منها إلّا الخبر عنها.
وأمّا نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - فكانت معجزته العظمى الّتي اختصّ بها دون غيره هي القرآن العظيم. الحجّة المستمرّة الدّائمة القائمة في زمانه وبعده إلى يوم القيامة. كتاب خالد لا ينضب معينه ولا تنقضي عجائبه ولا تنتهي فوائده محفوظ بحفظ اللّه من التّغيير والتّبديل والتّحريف.
قال العزّ بن عبد السّلام- رحمه اللّه-: «ومن خصائصه أنّ معجزة كلّ نبيّ تصرّمت وانقرضت ومعجزة سيّد الأوّلين والآخرين وهي القرآن العظيم باقية إلى يوم الدّين» [2] .
وقال: ... ومنها حفظ كتابه، فلو اجتمع الأوّلون والآخرون على أن يزيدوا فيه كلمة أو ينقصوا منه لعجزوا عن ذلك، ولا يخفى ما وقع من التّبديل في التّوراة والإنجيل» [3]
ومن أدلّة هذه الخصوصيّة:
قول اللّه تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (9) سورة الحجر.
وننظر نحن اليوم من وراء القرون إلى وعد اللّه الحق بحفظ هذا الذكر فنرى فيه المعجزة الشاهدة بربانية هذا الكتاب - إلى جانب غيرها من الشواهد الكثيرة - ونرى أن الأحوال والظروف والملابسات والعوامل التي تقلبت على هذا الكتاب في خلال هذه القرون ما كان يمكن أن تتركه مصونا محفوظا لا تتبدل فيه كلمة ، ولا تحرف فيه جملة ، لولا أن هنالك قدرة خارجة عن إرادة البشر ، أكبر من الأحوال والظروف والملابسات والعوامل ، تحفظ هذا الكتاب من التغيير والتبديل ، وتصونه من العبث والتحريف.
لقد جاء على هذا القرآن زمان في أيام الفتن الأولى كثرت فيه الفرق ، وكثر فيه النزاع ، وطمت فيه الفتن ، وتماوجت فيه الأحداث. وراحت كل فرقة تبحث لها عن سند في هذا
(1) - انظر الفصول: (ص 287) ، وخصائص أفضل المخلوقين (ص 398) ، والخصائص الكبرى (2/ 315- 318) .
(2) - غاية السول في تفضيل الرسول (ص 39) .
(3) - نفس المرجع السابق (ص 70) .