النّوع الثّاني
ما أبيح له دون غيره
1-الوصال في الصّوم:
بعث اللّه- تبارك وتعالى- رسوله محمّدا - صلى الله عليه وسلم - وسكب في قلبه من العلم والحلم وفي خلقه من الإيناس والبرّ وفي طبعه من السّهولة والرّفق وفي يده من السّخاوة والنّدى ما جعله أزكى عباد اللّه رحمة وأوسعهم عاطفة وأرحبهم صدرا.
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } (107) سورة الأنبياء ».
وقال تعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (128) سورة التوبة.
فجاءت شريعته مبنيّة على التّيسير والسّهولة والتّخفيف والرّحمة ورفع الحرج والآصار والأغلال ما يلائم اختلاف الأجيال وحاجات العصور وشتّى البقاع. فمن ذلك نهيه - صلى الله عليه وسلم - أمّته عن مواصلة صوم يومين فصاعدا من غير أكل أو شرب بينهما لما في ذلك من المشقّة وحصول المفسدة المترتّبة على الوصال وهي الملل من العبادة والتّعرّض للتّقصير في بعض وظائف الدّين. بينما كان ذلك مباحا له - صلى الله عليه وسلم - خصوصيّة له دون أمّته.فعَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لاَ تُوَاصِلُوا » . قَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ . قَالَ « لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ ، إِنِّى أُطْعَمُ وَأُسْقَى ، أَوْ إِنِّى أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى » [1] ..
وعَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْوِصَالِ ، رَحْمَةً لَهُمْ فَقَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ . قَالَ « إِنِّى لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ ، إِنِّى يُطْعِمُنِى رَبِّى وَيَسْقِينِ » [2]
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (1961 )
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (1964 )
يطعمني ربي ويسقين: قال النووي رحمه اللّه: معناه يجعل اللّه تعالى فيّ قوة الطاعم الشارب، وقيل هو على ظاهره وأنه يطعم من طعام الجنة كرامة له، والصحيح الأول لأنه لو أكل حقيقة لم يكن مواصلا. انظر شرح النووي على صحيح مسلم (7/ 212، 213) .