وقد انفرد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - عن أمّته في هذين الحكمين؛ فأباح اللّه تعالى له الزّواج بغير وليّ ولا شهود تشريفا وتكريما لعدم الحاجة إلى ذلك في حقّه - صلى الله عليه وسلم - .
قال العلماء: «إنّما اعتبر الوليّ في نكاح الأمة للمحافظة على الكفاءة، وهو - صلى الله عليه وسلم - فوق الأكفاء، وإنّما اعتبر الشّهود لأمن الجحود وهو - صلى الله عليه وسلم - لا يجحد.
وبرهان هذا الحكم في حقّه ما جاء في حديث زينب بنت جحش- رضي اللّه عنها- فعَنْ أَنَسٍ قَالَ جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشْكُو فَجَعَلَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « اتَّقِ اللَّهَ ، وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ » . قَالَتْ عَائِشَةُ لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ . قَالَ فَكَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - تَقُولُ زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ ، وَزَوَّجَنِى اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ . [1]
قال الإمام النّوويّ في شرحه على حديث مسلم: قال أنس بن مالك- رضي اللّه عنه-: ما أولم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - على امرأة من نسائه أكثر أو أفضل ممّا أولم على زينب».
قال رحمه اللّه: «يحتمل أنّ سبب ذلك الشّكر لنعمة اللّه في أنّ اللّه تعالى زوّجه إيّاها بالوحي لا بوليّ وشهود بخلاف غيرها. ومذهبنا الصّحيح المشهور عند أصحابنا صحّة نكاحه - صلى الله عليه وسلم - بلا وليّ ولا شهود لعدم الحاجة إلى ذلك في حقّه - صلى الله عليه وسلم - » [2] .
شرع اللّه تبارك وتعالى لعباده النّكاح لما فيه من الفوائد العظيمة والحكم الجسيمة، فمن ذلك: الإبقاء على النّوع الإنسانيّ، والتّحصّن من الشّيطان، وكسر التّوقان ودفع غوائل الشّهوة، وغضّ البصر وحفظ الفرج، وترويح النّفس وإيناسها بما أباحه اللّه لتقوى وتنشط على العبادة، ومجاهدة النّفس ورياضتها بالرّعاية والولاية والقيام بحقوق الأهل، والاجتهاد في كسب الحلال، والعناية بتربية الأولاد إلى غير ذلك من الفوائد والحكم والأسرار.
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (7420 )
(2) - انظر شرح النووي على صحيح مسلم (9/ 229، 230) .