لم يقل: جاءكم رسول منكم. ولكن قال: «من أنفسكم» وهي أشد حساسية وأعمق صلة ، وأدل على نوع الوشيجة التي تربطهم به. فهو بضعة من أنفسهم ، تتصل بهم صلة النفس بالنفس ، وهي أعمق وأحس.
«عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ» .. يشق عليه عنتكم ومشقتكم.
«حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ» .. لا يلقي بكم في المهالك ، ولا يدفع بكم إلى المهاوي فإذا هو كلفكم الجهاد ، وركوب الصعاب ، فما ذلك من هوان بكم عليه ، ولا بقسوة في قلبه وغلظة ، إنما هي الرحمة في صورة من صورها. الرحمة بكم من الذل والهوان ، والرحمة بكم من الذنب والخطيئة ، والحرص عليكم أن يكون لكم شرف حمل الدعوة ، وحظ رضوان اللّه ، والجنة التي وعد المتقون. [1]
وقال تعالى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (61) سورة التوبة.
وَمِنَ المُنَافِقِينَ قَوْمٌ يُؤْذًُونَ رَسُولَ اللهِ بِالكَلاَمِ فِيهِ ، وَيَقُولُونَ: هُوَ أُذُنٌ يَسْمَعُ مِنْ كُلِّ أَحٍَ ، وَمَنْ قَالَ لَهُ شَيْئًا صَدَّقَهُ ، وَمَنْ حَدَّثَهُ بِشَيْءٍ صَدَّقَهُ ، فَإِذَا جِئْنَا وَحَدَّثْنَاهُ وَحَلَفْنَا لَهُ صَدَّقَنَا .فَقُلْ لَهُمْ: هُوَ أُذُنُ خَيْرٍ يَعْرِفُ الصَّادِقَ مِنَ الكَاذِبِ ، وَلاَ يَقْبَلُ مِمَّا يَسْمَعُ إِلاَّ مَا يَعُدُّه حَقًّاُ ، وَفِيهِ مَصْلَحَةُ الخَلْقِ ، وَلَيْسَ هُوَ بِأُذُنٍ فِي سَمَاعِ البَاطِلِ وَالكَذِبِ وَالنَّمِيمَةِ ، إِنَّهُ يُؤْمِنُ بِاللهِ ، وَيُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ الذِينَ يَثِقُ بِدِينِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ ، وَهُوَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الكَافِرِينَ . وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ بِالقَوْلِ أَوْ بِالعَمَلِ قَدْ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الآخِرَةِ . [2]
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 1743)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1297)
(3) - انظر الخصائص الكبرى (2/ 322) .