فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 237

كَانَ النَّاسُ ، قَبْلَ الإِسْلاَمِ ، فِئَتِينِ:

-فِئَةً مَادِّيَّةً لا هَمَّ لَهَا إِلاَّ تَحْقيقُ مَا يَتَطَلَّبُهُ الجَسَدُ وَلَذَائِذُهُ كَالمُشْرِكينَ وَاليَهُودِ ، وَقَالُوا إِنْ هيَ إِلاَّ حَيَاتُنا الدُّنيا ، وَمَا يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهرُ .

وَفِئَةً طَغَتْ عَلَيها النَّزعَةُ الرُّوحَانِيَّةُ الخَالِصَةُ ، وَسَيْطَرَتْ عَلَيهَا فِكْرَةُ تَرْكِ الدُّنيا وَمَا فِيها مِنَ اللَّذائِذِ الجَسَدِيَّةِ كَالنَّصَارَى وَالصَابِئَةِ وَبَعْضِ طَوَائِفِ الهُنُودِ .

فَجَاءَ الإِسلامُ لِيَجْعَلَ المُسْلِمِينَ وَسَطًا بَيْنَ هؤلاءِ وَهؤُلاءِ ، فَقَالَ بِتَحقيقِ مَطَالِبِ الجَسَدِ بِلا إِسْرافٍ وَلاَ مُبَالَغَةٍ ، مَعَ المُحَافَظَةِ عَلَى السُمُوِّ الرُّوحِيِّ ، لأَنَّ الإِنسَانَ جَسَدٌ وَرُوحٌ .

وََقَدْ جَعَلَ اللهَ المُسْلِمِينَ أُمَّةً وَسَطًا لَِيَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى المَادِيِّينَ الذِينَ فَرَّطُوا في جَنْبِ اللهِ ، وَأخلَدُوا إِلى اللَّذاتِ ، وَصَرَفُوا أنفُسَهُمْ عَنْ قَضَايَا الرُّوحِ ، وَشُهَداءَ عَلَى الغُلاةِ فِي الرُّوحَانِيَّةِ الذِينَ قَالُوا بِتَخَلِّي الإِنسَانِ عَن اللَّذاتِ الجَسَدِيَّةِ ، وَبِحِرْمَانِ النَّفْسِ مِنْ جَميعِ مَا أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ فِي هذهِ الحَيَاةِ الدُّنيا

وَلِيَكُونَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - ، وَهُوَ القُدوَةُ والمَثَلُ الأَعلَى لِلمُؤْمِنينَ باللهِ ، شَهِيدًا عَلَى المُسلِمِينَ إِن كَانُوا اتَّبعُوا سِيرَتَهُ وَشَرْعَهُ ، اوِ انحَرَفُوا وَحَادُوا عَنِ الاعتِدالِ .

وَيَقُولُ اللهُ تََعَالَى إِنَّهُ إِنَّما شَرَعَ لِلنَّبِيِّ التَّوَجُّهَ إِلى بَيْتِ المَقْدِسِ أَوَّلًا ، ثُمَّ صَرَفَهُ إِلَى البَيتِ الحَرَامِ لِيَظْهَرَ مَنْ يَتَّبعُ النَّبِيَّ وَيُطِيعُهُ وَيَتَّجِهُ حَيثُما اتَّجَهَ ، دُونَ تَشَكُّكٍ وَلا ارتِياب ، ممَّن يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ ( يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ) ، وَإِنْ كَانَ فِي هذَا الصَّرفِ عَنْ بيتِ المَقْدِسِ مَشَقَّةٌ عَلَى النُّفُوسِ ، غَيرَ النُّفُوسِ التِي هَدَاهَا اللهُ إِلى الإِيمَان ، وَلِيَظْهَرَ مَنْ يُصَدِّقُ الرَّسُولَ وَمَا جَاءَ إِليهِ مِنْ رَبِّهِ بِصُورَةٍ مُطْلَقةٍ؛ وَهؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ المُصَدِّقُونَ يَكُونُ الأَمْرُ عَلَيهِمْ سَهْلًا يَسِيرًا

وَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُتَسَائِلينَ عَلَى أَحْوالِ قَومٍ مِنَ المُسلِمِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ إِلى بيتِ المَقْدِسِ ، ثُمَّ مَاتُوا قَبلَ أن تُحَوَّلَ القِبْلَةُ إِلى الكَعْبَةِ ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ اللهُ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُؤْمِنِينَ المُحْسِنينَ فَاللهُ تَعَالَى رَؤُوفٌ بِالنَّاسِ رَحِيمٌ . [1]

إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعا ، فتقيم بينهم العدل والقسط وتضع لهم الموازين والقيم وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد وتزن قيمهم وتصوراتهم

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 150)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت