ولهذا جعلها اللّه شاهدة على الأمم يوم القيامة. فما من نبيّ ولا رسول تنكر أمّته قد بلّغ إلّا وتشهد له الأمّة المحمّدية بالبلاغ فيقبل قولها وشهادتها لما لها من الفضل والمنزلة قال اللّه تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (143) سورة البقرة.
وكما هديناكم -أيها المسلمون- إلى الطريق الصحيح في الدين، جعلناكم أمة خيارًا عدولا لتشهدوا على الأمم في الآخرة أن رسلهم بلَّغتهم رسالات ربهم، ويكون الرسول في الآخرة كذلك شهيدًا عليكم أنَّه بلَّغكم رسالة ربه. وما جعلنا -أيها الرسول- قبلة"بيت المقدس"التي كنت عليها، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة بـ"مكة"، إلا ليظهر ما علمناه في الأزل؛ علما يتعلق به الثواب والعقاب لنميز مَن يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيث توجهت، ومَن هو ضعيف الإيمان فينقلب مرتدًا عن دينه لشكه ونفاقه. وإن هذه الحال التي هي تحول المسلم في صلاته من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة لثقيلة شاقة إلا على الذين هداهم ومنّ عليهم بالإيمان والتقوى وما كان الله ليضيع إيمانكم به واتباعكم لرسوله، ويبطل صلاتكم إلى القبلة السابقة. إنه سبحانه وتعالى بالناس لرءوف رحيم. [1]
قال الشّيخ عزّ الدّين بن عبد السّلام، في معرض حديثه عن خصائص النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: ومنها أنّ اللّه تعالى نزّل أمّته منزل العدول من الحكّام، فإنّ اللّه تعالى إذا حكم بين العباد فجحدت الأمم بتبليغ الرّسالة أحضر أمّة محمّد - صلى الله عليه وسلم - فيشهدون على النّاس بأنّ رسلهم أبلغتهم، وهذه الخصّيصة لم تثبت لأحد من الأنبياء [2] .
وقد صرّحت بهذا المعنى الأحاديث النّبويّة:
(1) - التفسير الميسر - (1 / 157)
(2) - انظر بداية السول (ص 69) .