خائنة الأعين هي الإيماء إلى مباح من قتل أو ضرب على خلاف ما يظهر ويشعر به الحال، ولا يحرم ذلك على غيره إلّا في محظور. قاله الرّافعيّ رحمه اللّه [1] .
وقال الخطّابيّ- رحمه اللّه-: «هو أن يضمر في قلبه غير ما يظهره للنّاس فإذا كفّ لسانه وأومأ بعينه إلى ذلك فقد خان وقد كان ظهور تلك الخيانة من قبيل عينه فسمّيت خائنة الأعين [2] .
فلم يكن لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يومي ء بطرفه خلاف ما يظهر كلامه.
عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ ، أَمَّنَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - النَّاسَ إِلاَّ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وَقَالَ: اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ: عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ خَطَلٍ ، وَمِقْيَسَ بْنَ صُبَابَةَ ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ.
فَأَمَّا عَبْدُ اللهِ بْنُ خَطَلٍ فَأُدْرِكَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ ، فَاسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ وَعَمَّارٌ ، فَسَبَقَ سَعِيدٌ عَمَّارًا ، وَكَانَ أَشَبَّ الرَّجُلَيْنِ فَقَتَلَهُ ، وَأَمَّا مِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ فَأَدْرَكَهُ النَّاسُ فِي السُّوقِ فَقَتَلُوهُ.وَأَمَّا عِكْرِمَةُ فَرَكِبَ الْبَحْرَ فَأَصَابَتْهُمْ عَاصِفٌ ، فَقَالَ أَصْحَابُ السَّفِينَةِ لأَهْلِ السَّفِينَةِ: أَخْلِصُوا ، فَإِنَّ آلِهَتَكُمْ لاَ تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا هَاهُنَا ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَاللهِ لَئِنْ لَمْ يُنْجِينِي فِي الْبَحْرِ إِلاَّ الإِخْلاَصُ مَا يُنْجِينِي فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ ، اللَّهُمَّ إِنَّ لَك عَهْدًا إِنْ أَنْتَ عَافَيْتنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ ، أَنْ آتِي مُحَمَّدًا حَتَّى أَضَعَ يَدَيْ فِي يَدِهِ ، فَلأَجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا ، قَالَ: فَجَاءَ فَأَسْلَمَ.
وَأَمَّا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عَنْدَ عُثْمَانَ ، فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - النَّاسَ لِلْبَيْعَةِ ، جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ، بَايِعْ عَبْدَ اللهِ ، قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلاَثًا ، كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى فَبَايَعَهُ بَعْدَ الثَّلاَثِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ: أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْت يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ ؟ قَالَوا: وَمَا يُدْرِينَا يَا رَسُولَ اللهِ مَا فِي نَفْسِكَ ، أَلاَ أَوْمَأْت إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ ؟ قَالَ: إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ أَعْيُنٍ. [3]
(1) - انظر الخصائص الكبرى للسيوطي (2/ 415) .
(2) - انظر حاشية السندي على سنن النسائي (7/ 106) .
(3) - مصنف ابن أبي شيبة - (20 / 474) (38068) حسن
قال الحافظ ابن حجر: سنده صحيح انظر الفتح (13/ 353) . ورواه البخاري معلقا انظر الفتح (13/ 351) . وأصل القصة في البخاري- انظر الفتح 12 (7035)
رشيد: رجل رشيد، أي: لبيب عاقل، له فطنة. -خائنة الأعين: كناية عن الرمز والإشارة ، كأنها مما تخونه العين ، أي: تسرقه ؛ لأنها كالسرقة من الحاضرين.-عاصف: ريح عاصف ، أي: شديد الهبوب.جامع الأصول في أحاديث الرسول - (8 / 376)