فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 237

شرّف اللّه عزّ وجلّ أمّ القرى البلد الحرام وفضّلها واختارها وخصّها بخصائص ومزايا ليست لغيرها من بقاع الدّنيا فمن ذلك أنّ بها بيته العتيق أوّل بيت وضع للنّاس لعبادتهم ونسكهم يطوفون به ويصلّون إليه ويعتكفون عنده ومن دخله كان آمنا. وجعله مثابة للنّاس يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار ولا يقضون منه وطرا بل كلّما ازدادوا له زيارة ازدادوا له اشتياقا.

لا يرجع الطّرف عنها حين ينظرها ... حتّى يعود إليها الطّرف مشتاقا

فللّه كم أنفق في حبّها من الأموال والأرواح ورضي المحبّ بمفارقة الأهل والأحباب والأوطان. جعل عرصاتها مناسك لعباده فرض عليهم قصدها وجعل ذلك من فروض الإسلام. وأخبر أنّها أمّ القرى فالقرى كلّها تبع لها وفرع عليها فليس لها في القرى عديل [1] . إنّها بلد حرام حرّمها اللّه يوم خلق السّماوات والأرض فالقتال فيها لا يحلّ ولا يجوز إلى غير ذلك من خصائصها.

وقد أباح اللّه تبارك وتعالى لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - مكّة المكرّمة عام الفتح ساعة من نهار فدخلها بغير إحرام وقتل من أهلها يومئذ نحو عشرين فكان ذلك من خصائصه - صلى الله عليه وسلم - . وقد دلّت على ذلك الأحاديث الصّحيحة، منها ما ذكره - صلى الله عليه وسلم - في خطبته صبيحة ذلك اليوم حيث قال:

عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ ، وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا ، قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لِلْغَدِ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ ، فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ ، وَوَعَاهُ قَلْبِي ، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ ، إِنَّهُ حَمِدَ اللهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ ، فَلاَ يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا ، وَلاَ يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً ، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ.فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ

(1) - زاد المعاد (1/ 46- 51) باختصار وتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت