في تدبيره يمنعان الرسول أن يقترح على ربه ما لم يصرح له به .. «قُلْ: سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا» يقف عند حدود بشريته ، ويعمل وفق تكاليف رسالته ، لا يقترح على اللّه ولا يتزيد فيما كلفه إياه. [1]
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِىٌّ إِلاَّ أُعْطِىَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِى أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَىَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ » [2] .
ووجه الدّلالة في الحديث يبيّنه الحافظ ابن حجر بقوله: رتّب - صلى الله عليه وسلم - هذا الكلام (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) على ما تقدّم من معجزة القرآن المستمرّة لكثرة فائدته وعموم نفعه، لاشتماله على الدّعوة والحجّة والإخبار بما سيكون، فعمّ نفعه من حضر ومن غاب ومن وجد ومن سيوجد، فحسن ترتيب الرّجوى المذكورة على ذلك وهذه الرّجوى قد تحقّقت، فإنّه أكثر الأنبياء تبعا» [3] .
وعَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ قَالَ: حَفِظَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ , فَلَا يَزِيدُ فِيهِ بَاطِلًا وَلَا يُنْقِصُ مِنْهُ حَقًّا ، ثُمَّ قَرَأَ: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ قَالَ: هَذِهِ نَظِيرَتُهَا" [4] "
وعن الْحَسَنِ بْنِ فَهْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ يَقُولُ:"كَانَ لِلْمَأْمُونِ وَهُوَ أَمِيرٌ إِذْ ذَاكَ مَجْلِسُ نَظَرٍ ، فَدَخَلَ فِي مَجْلِسِ النَّاسِ رَجُلٌ يَهُودِيٌّ حَسَنُ الثَّوْبِ حَسَنُ الْوَجْهِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ قَالَ فَتَكَلَّمَ فَأَحْسَنَ الْكَلَامَ الْعِبَارَةَ قَالَ: فَلَمَّا أَنْ تَقَوَّضَ الْمَجْلِسُ ، دَعَاهُ الْمَأْمُونُ فَقَالَ لَهُ: إِسْرَائِيلِيٌّ ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ لَهُ: أَسْلِمْ حَتَّى أَفْعَلَ بِكَ وَأَصْنَعَ ، وَوَعَدَهُ فَقَالَ: دِينِي وَدِينُ آبَائِي ، فَانْصَرَفَ ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَنَةٍ جَاءَنَا مُسْلِمًا قَالَ: فَتَكَلَّمَ عَلَى الْفِقْهِ ، فَأَحْسَنَ الْكَلَامَ . فَلَمَّا أَنْ تَقَوَّضَ الْمَجْلِسُ دَعَاهُ الْمَأْمُونُ فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ صَاحِبَنَا بِالْأَمْسِ ؟ قَالَ لَهُ: بَلَى ، قَالَ: فَمَا كَانَ سَبَبُ إِسْلَامِكَ ؟ قَالَ: انْصَرَفْتُ مِنْ حَضْرَتِكَ فَأَحْبَبْتُ"
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2249)
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (4981 ) وصحيح مسلم- المكنز - (402 )
(3) - فتح الباري (8/ 623) بتصرف يسير.
(4) - دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ (3086 ) صحيح