به خادع أو مخدوع! إن دين اللّه ليس راية ولا شعارا ولا وراثة! إن دين اللّه حقيقة تتمثل في الضمير وفي الحياة سواء. تتمثل في عقيدة تعمر القلب ، وشعائر تقام للتعبد ، ونظام يصرف الحياة .. ولا يقوم دين اللّه إلا في هذا الكل المتكامل ولا يكون الناس على دين اللّه إلا وهذا الكل المتكامل متمثل في نفوسهم وفي حياتهم .. وكل اعتبار غير هذا الاعتبار تمييع للعقيدة ، وخداع للضمير لا يقدم عليه «مسلم» نظيف الضمير! وعلى «المسلم» أن يجهر بهذه الحقيقة ويفاصل الناس كلهم على أساسها ولا عليه مما ينشأ عن هذه المفاصلة. واللّه هو العاصم. واللّه لا يهدي القوم الكافرين ..
وصاحب الدعوة لا يكون قد بلغ عن اللّه ولا يكون قد أقام الحجة للّه على الناس ، إلا إذا أبلغهم حقيقة الدعوة كاملة ووصف لهم ما هم عليه كما هو في حقيقته ، بلا مجاملة ولا مداهنة .. فهو قد يؤذيهم إن لم يبين لهم أنهم ليسوا على شي ء ، وأن ما هم عليه باطل كله من أساسه ، وأنه هو يدعوهم إلى شيء آخر تماما غير ما هم عليه .. يدعوهم إلى نقلة بعيدة ، ورحلة طويلة ، وتغيير أساسي في تصوراتهم وفي أوضاعهم وفي نظامهم وفي أخلاقهم .. فالناس يجب أن يعرفوا من الداعية أين هم من الحق الذي يدعوهم إليه .. «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» ..
وحين يجمجم صاحب الدعوة ويتمتم ولا يبين عن الفارق الأساسي بين واقع الناس من الباطل وبين ما يدعوهم إليه من الحق ، وعن الفاصل الحاسم بين حقه وباطلهم .. حين يفعل صاحب الدعوة هذا - مراعاة للظروف والملابسات ، وحذرا من مواجهة واقع الناس الذي يملأ عليهم حياتهم وأفكارهم وتصوراتهم - فإنه يكون قد خدعهم وآذاهم ، لأنه لم يعرّفهم حقيقة المطلوب منهم كله ، وذلك فوق أنه يكون لم يبلغ ما كلفه اللّه تبليغه! إن التلطف في دعوة الناس إلى اللّه ، ينبغي أن يكون في الأسلوب الذي يبلغ به الداعية ، لا في الحقيقة التي يبلغهم إياها .. إن الحقيقة يجب أن تبلغ إليهم كاملة. أما الأسلوب فيتبع المقتضيات القائمة ، ويرتكز على قاعدة الحكمة والموعظة الحسنة ..
ولقد ينظر بعضنا اليوم - مثلا - فيرى أن أهل الكتاب هم أصحاب الكثرة العددية وأصحاب القوة المادية.