الرَّسُولَ دَعَا لَهُمْ بِالمَغْفِرَةِ ، لَتَقَبَّلَ اللهُ تَوْبَتَهُمْ ، وَلَغَمَرَهُمْ بِفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ ، وَلَشَمِلَهُمْ بِعَفْوِهِ ، فَرَحْمَةُ اللهِ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ( وَسَمَّى اللهُ تَعَالَى تَرْكَ طَاعَةِ الرَّسُولِ ظُلْمًا لِلنَّفْسِ أَيْ إِفْسَادًا لَهَا ) . [1]
"وهذه حقيقة لها وزنها .. إن الرسول ليس مجرد «واعظ» يلقي كلمته ويمضي. لتذهب في الهواء - بلا سلطان - كما يقول المخادعون عن طبيعة الدين وطبيعة الرسل أو كما يفهم الذين لا يفهمون مدلول «الدين» ."
إن الدين منهج حياة. منهج حياة واقعية. بتشكيلاتها وتنظيماتها ، وأوضاعها ، وقيمها ، وأخلاقها وآدابها.وعباداتها وشعائرها كذلك. وهذا كله يقضي أن يكون للرسالة سلطان. سلطان يحقق المنهج ، وتخضع له النفوس خضوع طاعة وتنفيذ ..
واللّه أرسل رسله ليطاعوا - بإذنه وفي حدود شرعه - في تحقيق منهج الدين. منهج اللّه الذي أراده لتصريف هذه الحياة. وما من رسول إلا أرسله اللّه ، ليطاع ، بإذن اللّه. فتكون طاعته طاعة للّه .. ولم يرسل الرسل لمجرد التأثر الوجداني ، والشعائر التعبدية .. فهذا وهم في فهم الدين لا يستقيم مع حكمة اللّه من إرسال الرسل. وهي إقامة منهج معين للحياة ، في واقع الحياة .. وإلا فما أهون دنيا كل وظيفة الرسول فيها أن يقف واعظا. لا يعنيه إلا أن يقول كلمته ويمضي. يستهتر بها المستهترون ، ويبتذلها المبتذلون!!!
ومن هنا كان تاريخ الإسلام كما كان .. كان دعوة وبلاغا. ونظاما وحكما. وخلاقة بعد ذلك عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - تقوم بقوة الشريعة والنظام ، على تنفيذ الشريعة والنظام. لتحقيق الطاعة الدائمة للرسول. وتحقيق إرادة اللّه من إرسال الرسول. وليست هنالك صورة أخرى يقال لها: الإسلام. أو يقال لها: الدين. إلا أن تكون طاعة للرسول ، محققة في وضع وفي تنظيم. ثم تختلف أشكال هذا الوضع ما تختلف ويبقى أصلها الثابت. وحقيقتها التي لا توجد بغيرها .. استسلام لمنهج اللّه ، وتحقيق لمنهج رسول اللّه. وتحاكم إلى شريعة اللّه. وطاعة للرسول فيما بلغ عن اللّه ، وإفراد للّه - سبحانه - بالألوهية (شهادة أن لا إله إلا اللّه) ومن ثم إفراده بالحاكمية التي تجعل التشريع ابتداء حقا للّه ، لا
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 557)