وكان منها المصلحون ومنها المفسدون. فيؤدي الشهادة كما أدى الرسالة. وهو مبشر بالخير والمغفرة والرضى وحسن الجزاء للمؤمنين الطائعين ، ونذير بسوء المنقلب والغضب واللعنة والعقاب للكافرين والمنافقين والعصاة والمفسدين ..
هذه وظيفة الرسول. ثم يلتفت بالخطاب إلى المؤمنين ، يكشف لهم عن الغاية المرجوة لهم من الرسالة. إنها الإيمان باللّه ورسوله ، ثم النهوض بتكاليف الإيمان ، فينصرون اللّه بنصرة منهجه وشريعته ، ويوقرونه في نفوسهم بالشعور بجلاله وينزهونه بالتسبيح والتحميد طرفي النهار في البكور والأصيل ، وهي كناية عن اليوم كله ، لأن طرفي النهار يضمان ما بينهما من آونة. والغرض هو اتصال القلب باللّه في كل آن. فهذه هي ثمرة الإيمان المرجوة للمؤمنين من إرسال الرسول شاهدا ومبشرا ونذيرا.
وقد جاء - صلى الله عليه وسلم - ليصلهم باللّه ، ويعقد بينهم وبينه بيعة ماضية لا تنقطع بغيبة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - عنهم. فهو حين يضع يده في أيديهم مبايعا ، فإنما يبايع عن اللّه: «إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ. يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» .. وهو تصوير رهيب جليل للبيعة بينهم وبين رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - والواحد منهم يشعر وهو يضع يده في يده ، أن يد اللّه فوق أيديهم. فاللّه حاضر البيعة. واللّه صاحبها.
واللّه آخذها. ويده فوق أيدي المتبايعين .. ومن؟ اللّه! يا للهول! ويا للروعة! ويا للجلال! وإن هذه الصورة لتستأصل من النفس خاطر النكث بهذه البيعة - مهما غاب شخص رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فاللّه حاضر لا يغيب. واللّه آخذ في هذه البيعة ومعط ، وهو عليها رقيب.
«فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ» .. فهو الخاسر في كل جانب. هو الخاسر في الرجاع عن الصفقة الرابحة بينه وبين اللّه تعالى. وما من بيعة بين اللّه وعبد من عباده إلا والعبد فيها هو الرابح من فضل اللّه ، واللّه هو الغني عن العالمين. وهو الخاسر حين ينكث وينقض عهده مع اللّه فيتعرض لغضبه وعقابه على النكث الذي يكرهه ويمقته ، فاللّه يحب الوفاء ويحب الأوفياء.