تسامون في دينكم! أو أية صيغة أخرى ظاهرها بريء وباطنها لئيم! وهم يقولون في أنفسهم: لو كان نبيا حقا لعاقبنا اللّه على قولنا هذا. أي في تحيتهم ، أو في مجالسهم التي يتناجون فيها ويدبرون الدسائس والمؤامرات.
وظاهر من سياق السورة من مطلعها أن اللّه قد أخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما كانوا يقولونه في أنفسهم ، وبمجالسهم ومؤامراتهم. فقد سبق في السورة إعلان أن اللّه قد سمع للمرأة المجادلة وأنه ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم .. إلخ. مما يوحي بأنه أطلع رسوله على مؤامرات أولئك المنافقين وهو حاضر مجالسهم! وبما يقولونه كذلك في أنفسهم.
ثم رد عليهم بقوله تعالى: «حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ» .وكشف هذه المؤامرات الخفية ، وإفشاء نجواهم التي عادوا إليها بعد ما نهوا عنها ، وكذلك فضح ما كانوا يقولونه في أنفسهم: «لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ» .. هذا كله هو تصديق وتطبيق لحقيقة علم اللّه بما في السماوات وما في الأرض ، وحضوره لكل نجوى ، وشهوده لكل اجتماع. وهو يوقع في نفوس المنافقين أن أمرهم مفضوح ، كما يوحي للمؤمنين بالاطمئنان والوثوق.
وهنا يلتفت إلى الذين آمنوا ، يخاطبهم بهذا النداء: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» لينهاهم عن التناجي بما يتناجى به المنافقون من الإثم والعدوان ومعصية الرسول ، ويذكرهم تقوى اللّه ، ويبين لهم أن النجوى على هذا النحو هي من إيحاء الشيطان ليحزن الذين آمنوا ، فليست تليق بالمؤمنين: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ، وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى ، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» ..
ويبدو أن بعض المسلمين ممن لم تنطبع نفوسهم بعد بحاسة التنظيم الإسلامي ، كانوا يتجمعون عند ما تحزب الأمور ، ليتناجوا فيما بينهم ويتشاوروا بعيدا عن قيادتهم. الأمر الذي لا تقره طبيعة الجماعة الإسلامية ، وروح التنظيم الإسلامي ، التي تقتضي عرض كل رأي وكل فكرة وكل اقتراح على القيادة ابتداء ، وعدم التجمعات الجانبية في