مَوْضِعٍ آخَرَ. وَلَكِنَّ الَّذِي فِي قَلْبِهِ هُوَ مِثَالُهُ.
وَكَثِيرًا مَا يَقُولُ الْقَائِلُ: أَنْتَ فِي قَلْبِي، وَأَنْتَ فِي فُؤَادِي، وَالْمُرَادُ هَذَا الْمِثَالُ ; لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَعْنِ ذَاتَهُ، فَإِنَّ ذَاتَهُ مُنْفَصِلَةٌ عَنْهُ. كَمَا يُقَالُ: أَنْتَ بَيْنَ عَيْنَيْ، وَأَنْتَ دَائِمًا عَلَى لِسَانِي [1] ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
مِثَالُكَ فِي عَيْنِي وَذِكْرُكَ فِي فَمِي ... وَمَثْوَاكَ فِي قَلْبِي فَكَيْفَ تَغِيبُ [2]
وَقَالَ آخَرُ:
سَاكِنٌ فِي الْقَلْبِ يَعْمُرُهُ ... لَسْتُ أَنْسَاهُ فَأَذْكُرُهُ
فَجَعَلَهُ سَاكِنًا عَامِرًا لِلْقَلْبِ لَا يُنْسَى، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ ذَاتَهُ حَصَلَتْ فِي قَلْبِهِ كَمَا يَحْصُلُ [3] الْإِنْسَانُ السَّاكِنُ فِي بَيْتِهِ، بَلْ هَذَا الْحَاصِلُ هُوَ الْمِثَالُ الْعِلْمِيُّ.(* وَقَالَ آخَرُ:
وَمِنْ عَجَبٍ أَنِّي أَحِنُّ إِلَيْهِمُ ... وَأَسْأَلُ عَنْهُمْ مَنْ لَقِيتُ وَهُمْ مَعِي
وَتَطْلُبُهُمْ عَيْنِي وَهُمْ فِي سَوَادِهَا ... وَيَشْتَاقُهُمْ قَلْبِي وَهُمْ بَيْنَ أَضْلُعِي *) [4]
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الْقَائِلِ:"الْقَلْبُ بَيْتُ الرَّبِّ"وَمَا يَذْكُرُونَهُ فِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ مِنْ قَوْلِهِ:"مَا وَسِعَتْنِي أَرْضِي وَلَا سَمَائِي، وَلَكِنْ وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ، التَّقِيُّ النَّقِيُّ، الْوَرِعُ [5] اللَّيِّنُ [6] "، فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ
(1) ح، ر: دَائِمًا فِي لِسَانِي.
(2) و: فَأَيْنَ تَغِيبُ.
(3) و: جُعِلَتْ فِي قَلْبِهِ كَمَا يَجْعَلُ.
(4) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (و) .
(5) الْوَرِعُ: كَذَا فِي (ح) ، (ب) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: الْوَارِعُ.
(6) قَالَ الْعِجْلُونِيُّ فِي"كَشْفِ الْخَفَاءِ"2/195:"ذَكَرَهُ فِي الْإِحْيَاءِ" (أَيِ الْغَزَالِيُّ) ، بِلَفْظِ: قَالَ اللَّهُ: لَمْ يَسَعْنِي سَمَائِي وَلَا أَرْضِي، وَوَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ اللَّيِّنِ الْوَادِعِ - قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي تَخْرِيجِهِ: لَمْ أَرَ لَهُ أَصْلًا. وَوَافَقَهُ فِي"الدُّرَرِ"تَبَعًا لِلزَّرْكَشِيِّ، وَذَكَرَ الْعِجْلُونِيُّ كَلَامَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فَقَالَ:"وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ مَعْرُوفٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -"، ثُمَّ قَالَ:"وَقَالَ فِي"الْمَقَاصِدِ"تَبَعًا لِشَيْخِهِ فِي"اللَّآلِئِ": لَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ مَعْرُوفٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ الْحَدِيثَ فِي"الدُّرَرِ الْمُنْتَثِرَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُشْتَهِرَةِ"ص 175 تَحْقِيقُ الدكتور مُحَمَّدِ بْنِ لُطْفِي الصَّبَّاغِ، ط. الرِّيَاضِ 1403/1983، وَبَيَّنَ الدكتور الصَّبَّاغُ فِي تَعْلِيقِهِ مَوَاضِعَ الْحَدِيثِ فِي كُتُبِ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ."