الْعَسْكَرَيْنِ كَانَتِ الْيَمَانِيَّةُ وَالْقَيْسِيَّةُ فِيهِمْ كَثِيرَةً [1] جِدًّا، وَأَكْثَرُ أَذْوَاءِ الْيَمَنِ كَانُوا مَعَ مُعَاوِيَةَ، كَذِي كُلَاعٍ [2] وَذِي عَمْرٍو، وَذِي رُعَيْنٍ، وَنَحْوِهِمْ. وَهُمُ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمُ: الذَّوِينُ.
كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَمَا أَعْنِي بِذَلِكَ أَصْغَرَيْهِمْ ... وَلَكِنِّي أُرِيدُ بِهِ الذَّوِينَا.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: قَوْلُهُ: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} لَفْظٌ مُطْلَقٌ، لَيْسَ فِيهِ تَعْيِينٌ. وَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِمَنْ قَامَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ كَائِنًا مَا كَانَ، لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَبِي بَكْرٍ وَلَا بِعَلِيٍّ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِإِحْدَاهُمَا، لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ بِذَلِكَ أَفْضَلَ مِمَّنْ يُشَارِكُهُ فِيهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَسْتَوْجِبَ بِذَلِكَ الْإِمَامَةَ.
بَلْ هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرْتَدُّ أَحَدٌ [عَنِ الدِّينِ] [3] إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا أَقَامَ اللَّهُ قُوْمًا يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، أَذِلَّةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةً عَلَى الْكَافِرِينَ، يُجَاهِدُونَ هَؤُلَاءِ الْمُرْتَدِّينَ.
وَالرِّدَّةُ قَدْ تَكُونُ عَنْ أَصْلِ الْإِسْلَامِ، كَالْغَالِيَةِ مِنَ النَّصِيرِيَّةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، فَهَؤُلَاءِ مُرْتَدُّونَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ، وَكَالْعَبَّاسِيَّةِ [4] .
(1) م: كَثْرَةً.
(2) م: كَذِي الْكُلَاعِ.
(3) عَنِ الدِّينِ: زِيَادَةٌ فِي (م) .
(4) ن، م، س: كَالْعَبَّاسِيَّةِ، وَيَقْصِدُ بِهِمُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ هُنَا الرَّاوَنْدِيَّةَ، وَهُمْ كَمَا سَبَقَ أَنْ ذَكَرْنَا (1/14) أَتْبَاعُ ابْنِ الرَّاوَنْدِيِّ الَّذِينَ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ ثُمَّ فَارَقَهُمْ وَهَاجَمَ مَذْهَبَهُمْ وَصَارَ مُلْحِدًا زِنْدِيقًا، وَالرَّاوَنْدِيَّةُ فِرَقٌ مِنْ فِرَقِ الْكَيْسَانِيَّةِ، وَيَقُولُ ابْنُ النُّوبَخْتِيِّ فِي كِتَابِهِ"فِرَقِ الشِّيعَةِ"ص 57:"فَالْكَيْسَانِيَّةُ كُلُّهَا لَا إِمَامَ لَهَا وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُونَ الْمَوْتَى إِلَّا"الْعَبَّاسِيَّةَ"فَإِنَّهَا تُثْبِتُ الْإِمَامَةَ فِي وَلَدِ الْعَبَّاسِ وَقَادُوهَا فِيهِمْ إِلَى الْيَوْمِ". وَقَالَ ابْنُ النُّوبَخْتِيِّ قَبْلَ ذَلِكَ (ص 54) "وَفِرْقَةٌ قَالَتْ أَوْصَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِأَنَّهُ مَاتَ عِنْدَهُمْ بِأَرْضِ الشَّرَاةِ بِالشَّامِ، وَأَنَّهُ دَفَعَ إِلَيْهِ الْوَصِيَّةَ إِلَى أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ كَانَ صَغِيرًا عِنْدَ وَفَاةِ أَبِي هَاشِمٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَيْهِ إِذَا بَلَغَ دَفْعَهَا إِلَيْهِ، فَهُوَ الْإِمَامُ، وَهُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ الْعَالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَمَنْ عَرَفَهُ فَلْيَصْنَعْ مَا شَاءَ، وَهَؤُلَاءِ غُلَاةُ الرَّاوَنْدِيَّةِ"، انْظُرْ مَا سَبَقَ أَنْ ذَكَرْتُهُ عَنِ الرَّاوَنْدِيَّةِ 1/14، 500: وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ حَزْمٍ فِي"الْفِصَلِ"4/154 حَيْثُ قَالَ:"وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا تَجُوزُ الْخِلَافَةُ إِلَّا فِي وَلَدِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُمُ الرَّاوَنْدِيَّةُ". وَقَدْ نَقَلْتُ كَلَامَهُ فِيمَا سَبَقَ 1/500 - 503 وَانْظُرْ أَيْضًا 1، 546 وَانْظُرْ كِتَابَ"أُصُولِ الدِّينِ"ص 281.