الشريعة؛ فحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عَنْهَا قَدْ جاء بلفظ: (( فدعا النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بماءٍ فأتبعه وَلَمْ يغسله ) )فإذا جَعَلَ أتبعه بمعنى غسله فإن المَعْنَى حينئذ يَكُون فغسله وَلَمْ يغسله.
وَكَذَلِكَ حَدِيث أم قيس بنت محصن قَدْ جاء بلفظ: (( فنضحه وَلَمْ يغسله ) )فلو حمل النضح عَلَى مَعْنَى الغسل لكان التقدير: فغسله وَلَمْ يغسله، وهذا تناقض غَيْر معقول.
وأيضًا فإن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - عطف الغسل عَلَى النضح في حَدِيث عَلِيّ - رضي الله عنه -، وعطف الرش عَلَى الغسل في حَدِيث أبي السمح - رضي الله عنه -، والعطف يَقْتَضِي المغايرة. فلو أريد بهما مَعْنَى واحدٌ، لكان عبثًا يتنَزه عَنْهُ الشارع [1] .
المذهب الثَّانِي:
نُسِبَ إلى الشَّافِعيّ قَوْلٌ: بأن بول الصبي الَّذِي لَمْ يأكل الطعام طاهر. ونسبت رِوَايَة إلى الإمام مَالِك: أَنَّهُ لا يغسل بول الجارية وَلاَ الغلام قَبْلَ أن يأكلا الطعام.
لَكِنْ ذكر الباجي [2] أن هذِهِ الرِّوَايَة عن مَالِك شاذة [3] . وذكر النَّوَوِيّ أن نقل هَذَا القَوْل عن الشَّافِعيّ باطل [4] .
لِذلِكَ لا حاجة للتعليق عَلَى هَذَا المذهب.
المذهب الثَّالِث:
ينضح بول الطفل الرضيع الَّذِي لَمْ يأكل الطعام، فإذا أكل الطعام كَانَ حكم بوله كحكم بول الكبير يغسل.
وَقَدْ فسّر هَذَا المذهب النضح: بأنه غمر مَوْضِع البول ومكاثرته بالماء مكاثرة لا يَبْلُغ جريانه وتردده وتقطره. فَهُوَ بمعنى الغسل الَّذِي سبق ذكره عن مَالِك [5] .
وَقَدْ اعتمد هَذَا المذهب حَدِيث أم قيس بنت محصن، فَقَدْ جاء بلفظ: (( أَنَّهَا أتت بابن لَهَا صَغِير لَمْ يأكل الطعام ... الخ ) ).
(1) فقه الإمام سعيد بن المسيب 1/ 37
(2) هو الحافظ أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعيد التجيبي الذهبي الباجي ولد سنة (403 هـ) من مصنفاته"المنتقى في الفقه"و"المعاني في شرح الموطأ"و"الاستيفاء"، توفي سنة (474 هـ) .
وفيات الأعيان 2/ 408، وتذكرة الحفاظ 3/ 1178 و 1180، وشذرات الذهب 3/ 344.
(3) المنتقى شرح الموطأ 1/ 128.
(4) شرح صَحِيْح مُسْلِم 1/ 583 - 584.
(5) المغني 1/ 734 - 735، والحاوي 2/ 320 - 321، والتهذيب 1/ 206.