فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 301

أوّل من توسّع في الكلام عن الحضارة والتفريق بينها وبين البداوة هو"عبد الرحمن بن خلدون" (ت 808 هـ) ، الّذي يرى أنّ الناس حين تخطَّوا في كسبهم للمعاش ما هو ضروري «وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفه، دعاهم ذلك إلى السكون والدعة وتعاونوا في الزائد على الضرورة واستكثروا من الأقوات والملابس والتأنُّق فيها وتوسعة البيوت واختطاط المدن والأمصار للتحضُّر. ثمّ تزيد حالة الرفه والدعة فتجيء عوائد الترف البالغة مبالغها في التأنّق في علاج القوت واستجادة المطابخ وانتقاء الملابس الفاخرة في أنواعها من الحرير والديباج وغير ذلك ومعالاة البيوت والصروح وإحكام وضعها في تنجيدها والانتهاء في الصنائع في الخروج من القوّة إلى الفعل إلى غايتها فيتّخذون القصور والمنازل ويُجرون فيها المياه ويعالون في صرحها ويبالغون في تنجيدها ويختلفون من استجادة ما يتّخذونه لمعاشهم من ملبوس أو فراش أو آنية أو ماعون. وهؤلاء هم الحضر، ومعناه الحاضرون أهل الأمصار والبلدان» (1) .

والمدقِّق في كلام"ابن خلدون"يجد أنّ كلمة"الحضارة"عنده لم تخرج عن معناها اللغويّ. وكلّ ما كان منه أن توسّع قليلًا في شرح حال أهل الحضر أو المدن والتمييز بينهم وبين البدو أهل البادية. لذلك كان من الخطأ إدراج ابن خلدون في عداد أهل الاصطلاح المحدَث"للحضارة".

والواقع أنّ نشأة المعنى الاصطلاحيّ للحضارة إنّما تعود إلى الدراسات الأوربّيّة، وذلك لعدّة قرون خلت. وذلك من خلال استخدام العبارة"Civilization"الّتي ظهرت تحمل مدلولات معيّنة، ثمّ طرأت التعديلات والتبديلات على ذلك المصطلح، حتّى وصل إلى ما استقرّ عليه اليوم من معنى.

(1) - العلاّمة عبد الرحمن بن محمّد بن خلدون - المقدمّة - دار الجيل،بيروت - دون تاريخ - ص 132

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت