ثانيًا:
حضارة عالميّة أم حضارات بشريّة ؟
إنّ المعنى الّذي قرّرناه للحضارة يؤدّي بالضرورة إلى رفض فكرة"الحضارة العالميّة"أو"الحضارة الإنسانيّة الواحدة". وهي الفكرة الّتي ترى أنّ العالم كلّه بما فيه من أمم وشعوب ومجتمعات عديدة يسير عبر التاريخ ضمن مسيرة واحدة هي مسيرة"الحضارة". إذ التاريخ البشريّ هو تاريخ مجتمعات، ولمّا كان لكلّ مجتمع نمطه وطرازه الخاصّ في العيش نتج عن ذلك أنَّ التاريخ هو تاريخ حضارات، لا تاريخ حضارة واحدة. إنّها الحضارات الّتي تتعدّد في العصر الواحد، وتستجِدُّ عبر العصور المتواليّة. وعلى حدّ تعبير"نيقولاي دانليفسكي" (روسيا 1822-1885) ، «ليس هناك حضارة واحدة، وإنّما هناك طرز من الحضارات، لكلّ منها خصائصها ومميِّزاتها. والتاريخ البشريّ في مجموعه لا يسير في خطّ مستقيم يتبع اتّجاهًا واحدًا ونزعة بذاتها، وإنّما هو في الحقيقة مكوَّن من حركات مختلفة الاتجّاهات تتبع خطوطًا متباينة وتكشف عن وجهات أو قيم كثيرة خلال الطرز المختلفة من الحضارات ولكلّ حضارة قيمها الخاصّة» (1) . كما يرى"اشبنجلر" (1880-1936) أنّ «لكلّ حضارة كيانها المنعزل عن غيرها من الحضارات، وكلّ منها يكوِّن وحدة أو دائرة مقفلة بنفسها. وما يشاهَد من تشابه في الموضوع بين حضارة وحضارة فهو تشابه في الظاهر، لأنّ كلّ حضارة تعبير عن روح ، والروح تختلف بين حضارة وحضارة . وإذا اشتركت العناصر الخارجيّة المؤثِّرة في حضارتين تقبَّلت كلّ منهما هذه العناصر على نحوٍ مباين كلّ المباينة للنحو الّذي تتقبّل عليه الحضارة الأخرى هذه العناصر، لأنّ كلًّا منها لا تستطيع أن تهضم هذه العناصر إلاّ إذا أحالتها إلى طبيعتها. وهكذا تبطل أوهام المؤرِّخين عن التأثير والاستمرار والوحدة التاريخيّة» (2) .
(1) - نقلًا عن: مدخل إلى التاريخ الإسلاميّ - ص 476
(2) - المرجع السابق - ص 483