وأمّا ما يظهر من تشابه في العديد من المسائل بين أبحاث الثقافة الإسلاميّة ومقولات أهل الكتاب، فمردّه بكلّ بساطة إلى أنّ كثيرًا من عقائد أهل الكتاب هي في الأصل عقائد الأنبياء الّذين أعلن الإسلام أنّهم جميعًا أتوا بإيمان واحد، وإن اختلفت تشريعاتهم. فما دام الإيمان"في الأصل"واحدًا، فمن الطبيعيّ أن نجد تشابهًا في كثير من المسائل الاعتقاديّة. كما أنّه من الطبيعيّ أن تكون القضايا والتساؤلات الّتي أثارتها تلك العقائد متشابهة، وأن تتعدّد آراء المسلمين في تلك القضايا كما تعدّدت آراء الّذين من قبلهم، طالما أنّ هذه القضايا ليست من"أصول العقائد"الّتي يقوم عليها الإسلام ويتوقّف عليها اعتناق الإنسان للإسلام. لذلك فإنّنا بحاجة إلى أدلّة أخرى غير هذه الملابسات، حتّى نستطيع تقرير مدى تأثّر علماء الكلام بسائر الأديان والفلسفات والتيّارات الفكريّة.
خامسًا:
علم الكلام والمنطق
لا بدّ في البداية من تقرير حقيقة في غاية الأهميّة. ألا وهي التفريق بين كلّ من علم المنطق والفلسفة.إذ من الواضح أنّ كثيرًا من الكتّاب الّذين بحثوا في اتّصال علماء الكلام بالثقافة اليونانيّة، لم يفرّقوا بين ما في هذه الثقافة من أبحاث عديدة، ممّا لا يصحّ إطلاق حكم واحد عليها. بينما نجد علماء الإسلام الأوائل واعين على التفريق بين ما لدى الأمم الأخرى من معارف عديدة. فبعد الاطّلاع على التراث المعرفيّ السابق على الإسلام ودراسته، قبلوا ما لا يتعارض مع منظومتهم الفكريّة من معارف وعلوم، ورفضوا ما سوى ذلك،من معارف رأوا أنّ الإسلام أغنى عنها وأدلى فيها بدلوه الخاصّ. وكانت الفلسفة من تلك المعارف الّتي رفضها علماء الإسلام رفضًا مطلقًا، ولا سيّما المتكلّمين. إذ عدّوها مناقضة لأصل الدين الإسلاميّ -كما سنرى في فصول لاحقة- أي مناقضة للعقيدة الإسلاميّة.