فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 301

لذلك وبناء على ما سبق نقول: إنّ الهجوم على فقهاء المجتمع الإسلاميّ هو في الحقيقة -من حيث يدري المهاجمون أو لا يدرون- هو هجوم على الحضارة الإسلاميّة نفسها. وإذا كان هذا لا يستغرب من المستشرقين، فإنّه ولا شكّ غير مقبول ممّن يؤلّف مدافعًا عن الحضارة الإسلاميّة.

ثانيًا:

التصوّف: الجذور التاريخيّة

يقول أبو"الوفا التفتازاني": «التصوّف بوجه عامّ فلسفة حياة، وطريقة معيّنة في السلوك، يتّخذهما الإنسان لتحقيق كماله الأخلاقي، والاتصال بمبدأ أسمى، وعرفانه بالحقيقة، وتحقيق سعادته الروحيّة. والتصوّف مشترك بين ديانات وفلسفات وحضارات متباينة في عصور مختلفة» (1) .

منذ قرون بعيدة، قبل ظهور الإسلام، وحتّى قبل المسيحيّة، سادت لدى بعض الشعوب فكرة عن الوجود وفلسفة للحياة، مؤدّاها أن هذا الوجود إنّما هو مكوّن من عنصرين اثنين، أحدهما فاض عن الآخر، هما"الروح والمادّة". وبتعبير آخر: إنّ الوجود إنّما هو شيء واحد، جوهره"الروح"وعَرَضُه"المادّة". فما يراه الإنسان حوله من أشياء محسوسة إنّما هو الجانب المادّيّ من الوجود، وأمّا الجانب الآخر المغيّب عن الإنسان"في العادة"فهو الروح أو العوالم الروحانيّة. والجانب المادّيّ-في نظر هذه الفلسفة- ليس سوى فيض منخفض فاض عن العنصر الجوهر السامي الّذي هو الروح. وهذه هي الفلسفة القائلة بوحدة الوجود. فهي «تعاليم فلسفيّة تذهب إلى أنّ الله مبدأ لا شخص، ليس خارج الطبيعة ولكنّه متوحّد معها» (2) .

(1) - الموسوعة الفلسفيّة العربيّة - بإشراف د.معن زيادة - معهد الإنماء العربيّ، بيروت - ط أولى 1986 - المجلّد الأول - ص 73 - مادّة"التصوّف". بقلم أبو الوفا التفتازاني.

(2) - الموسوعة الفلسفيّة - إشراف م. روزنتال وب. يودين - ترجمة سمير كرم - دار الطليعة، بيروت 1987 - مادّة"وحدة الوجود".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت