ثانيًا:
انتفاع اللغة العربيّة
يقع كثير من الدارسين للتاريخ الثقافيّ الإسلاميّ -ولا سيّما عند حديثهم على الاحتكاك الثقافيّ والفكريّ- في مغالطة وخلط كبيرين. أعني بذلك عدم التمييز بين الانتفاع والتأثّر. إذ إنّ هناك فرقًا لا بدّ من تلمّسه عند الكلام عن احتكاك المسلمين بسائر الثقافات. ألا وهو الفرق بين أن ينتفع المسلمون من التراث الثقافيّ لدى الأمم الأخرى دون أن يكون لذلك تأثير على هويّتهم الحضاريّة -أي دون أن يكون هناك أيّ تأثير على طريقة تفكيرهم ومجموعة أفكارهم ومشاعرهم وأنظمة حياتهم- وبين أن يتأثّروا بما تحويه تلك الثقافات من مفاهيم ووجهات نظر عن الحياة وأنظمة للمجتمع.
وحتّى يتبيّن ذلك الفرق، لا بدّ من مقدّمة صغيرة ينبني عليها البحث في هذا الموضوع. ذلك أنّ الثقافة الإسلاميّة يمكن تصنيفها إلى قسمين أساسيّين، هما: المعارف الشرعيّة، ومعارف اللغة. ونعني بالمعارف الشرعيّة: التفسير وعلوم الحديث والفقه وأصول الفقه وعلم التوحيد وأصول الدين وما شاكلها. ونعني بمعارف اللغة: النحو والصرف، والأدب بشعره ونثره ومعانيه وبيانه وبديعه وما شاكل ذلك.
ومعارف هذا القسم الثاني -أي معارف اللغة- لم تُعدَّ من الثقافة الإسلاميّة إلاّ بقدر ما كانت خادمة للمعارف الشرعيّة، أي بقدر ما كانت لازمة لفهمها والتعبير عنها. لذلك عني علماء المسلمين بدراستها وضبط قواعدها والخوض في معانيها وأساليبها من أجل الحفاظ عليها وسيلة لفهم نصوص القرآن والسنّة،بوصفهما مصدر عقائد الإسلام وتشريعه. كما أنّها فضلًا عن ذلك أفضل لغة يمكن التعبير بها عن الإسلام. لذلك عني المسلمون بنشر اللغة العربيّة جنبًا إلى جنب مع الدعوة الإسلاميّة. وهذه العناية حفظت على اللغة العربيّة قواعدها ونحوها وصرفها، فكانت من أصمد اللغات في التاريخ.