سادسًا:
هل تأثّرت الدولة الإسلاميّة
بنظام الحكم الفارسيّ؟
في سياق الكلام على اقتباس المسلمين عناصر حضاريّة من الأمم الأخرى، يورد بعض المؤرِّخين أمثلة وشواهد، من تاريخ الدولة الإسلاميّة، ليثبتوا أنّها اقتبست بعض الأنظمة المتعلّقة بالحكم من الفرس وغيرهم. ومن أبرز تلك الأمثلة والشواهد مسألة الدواوين (1) والكتّاب والوزارة.
يقول"ول ديورانت"مثلًا: «أدرك العرب أنّهم قد تغلّبوا على مجتمعات مضمحلّة ولكنّها حسنة التنظيم، فاستعانوا في بلاد الشام بنظام بيزنطة الإداريّ، وفي بلاد فارس بنظام الساسانيّين، وكان لا بدّ أن تسير الحياة في الشرق الأدنى على النسق القديم» (2) .
ويذهب"أحمد أمين"إلى حدّ القول بأنّ تكوُّن طبقة الكتّاب ليس إلاّ تقليدًا للنظام الفارسيّ (3) . كما يرى أنّ منصب الوزارة إنّما هو إنشاء مبتدَع، وأنّه منصب فارسيّ ولم يكن معروفًا قبل العبّاسيّين (4) .
ويرى بعض المؤرِّخين أنّ دخول هذه الوظائف إلى الدولة الإسلاميّة وتولّي الفرس لمعظمها، أدّى إلى إدخال مفاهيم الحكم الّتي كانت سائدة في الإمبراطوريّة الفارسيّة إلى الخلافة عهد العبّاسيّين، من حيث كان مفهوم الحكم لدى الوزراء والكتّاب «ينطوي على إدارة مركزيّة قويّة تمنح الحاكم السيطرة على النظم العسكريّة والإداريّة والدينيّة، ويعتبر سلطات الحاكم مطلقة لأنّه يستمدّها من الله» (5) .
(1) - انظر في مسألة الدواوين: حسّان حلاّق - دراسات في تاريخ الحضارة الإسلاميّة - دار النهضة العربيّة، بيروت - طبعة أولى 1989 - ص 29-30
(2) - قصة الحضارة - ج 13- ص 146
(3) - ضحى الإسلام - ج1 - ص 169
(4) - المرجع السابق - ج1 - ص 165
(5) - خير الدين يوجه سوي - تطورّ الفكر السياسيّ عند أهل السنّة - دار البشير، عمّان - الطبعة الأولى 1993-ص100 - 101