لا شكّ أنّ المسلمين اطّلعوا منذ تاريخهم المبكر على التيّارات الصوفيّة من خلال ما طالعوه من مصنّفات شتّى الحضارات ومن خلال معايشتهم لمجتمعاتها بشكل مباشر. ومثلما تسرّب كثير من المذاهب والأفكار والآراء الفلسفيّة إلى المجتمع الإسلاميّ وثقافة المسلمين-كما سبق ورأينا في الفصول الماضية-من الطبيعيّ أن نتوقّع سريان أفكار التيّارات الصوفيّة المختلفة ونزعاتها النفسيّة، ولا سيّما حين توجد الظروف التاريخيّة والسياسيّة المواتية، الّتي تشكّل تربة خصبة للنزعة الصوفيّة، مثلما تشكّل ظروف أخرى بالمقابل تربة خصبة للنزعة المادّيّة.
إلاّ أنّه من الأهمّيّة بمكان إلقاء نظرة على وجهة نظر الإسلام فيما يسمّى بالناحية الروحيّة، وعلى واقع الحياة الروحيّة كما تهدف إليها الشريعة الإسلاميّة، قبل الحكم على مدى انضباط هذه الظاهرة الصوفيّة أو تلك بالمفهوم الإسلاميّ، أو مدى تأثّرها بالتيّارات التصوّفيّة الغريبة عن الإسلام.
ثالثًا:
نشأة التصوّف في المجتمع الإسلاميّ
إنّ الإسلام الّذي أتت به نصوص القرآن والسنّة، ووفق ما فهمه الجيل الأوّل من المسلمين، لم يعرف تلك الفلسفة الّتي تنظر إلى الكون والإنسان والحياة، على أنّها مكوّنة من عنصرين اثنين، المادّة والروح. وإنمّا تفيد العقيدة الإسلاميّة بكلّ بساطة أن"لا إله إلاّ الله"، وأنّ الله تعالى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء } ، وأنّه خالق السماوات والأرض وما بينهما، أي أنّه هو الّذي أوجدهما من عدم. وبالتالي فلا وجود في هذا الإسلام لمقولة"وحدة الوجود"الّتي ترى أن"لا موجود إلاّ الله"، وإنمّا تفيد العقيدة الإسلاميّة أن"لا خالق إلاّ الله". كما أنّه لا وجود فيه لقصّة النزاع بين الروح والمادّة، أو بين الروح والجسد.