ما هي هويّة هذه الحضارة: هل هي عربيّة أم إسلاميّة؟
ما هي مظاهر ازدهار هذه الحضارة،وما هي مظاهر تراجعها؟
ما هو أثر المؤثِّرات الحضاريّة على المجتمع الإسلاميّ؟ هل هو إيجابيّ أم سلبيّ؟
لذلك نشرع فورًا بالإجابة على تلك التساؤلات.
ثالثا:ً
متى اكتملت الحضارة الإسلاميّة ؟
من الطبيعيّ أن نتوقّع ممّن يَعدّ الحضارة الإسلاميّة مزيج حضارات وثقافات وأديان أن يؤجّل حكمه باكتمال الحضارة الإسلاميّة ونضوجها واستوائها الأخير إلى التاريخ الّذي يستكمل معه المسلمون احتكاكهم بمعظم الحضارات الّتي كانت قائمة في عصرهم، أو على الأقلّ حتّى يقف ذلك الاحتكاك وما صاحبه من تفاعل عند حدّ معيّن. فالمجتمع الإسلاميّ في نظر"توينبي"مثلًا هو حصيلة اندماج مجتمعَين كانا في الأصل متميّزين هما: الإيرانيّ والعربيّ (1) . وهو الرأي نفسه الّذي يراه"أندريه ميكيل"في كتابه"الإسلام وحضارته" (2) . ويتوسّع هذا الأخير في أحد حواراته في تعداد مصادر تلك الحضارة، ويرى أنّها بلغت ذروتها في العصر العباسيّ الّذي «سجّل أوّل اتّصال عميق للعالم العربيّ بحضارات وثقافات غريبة عنه، كانت أولاها ثقافة المجتمع الإيرانيّ المجاور له، وهي ثقافة عريقة بلغتها وآدابها، أغنت بموضوعاتها الحضارة الإسلاميّة الجديدة، كما نقلت إليها، كوسيط خلاصة الحضارات الأخرى، وبخاصّة حضارة الهند» ويضيف: «ينبغي ألاّ ننسى، بالإضافة إلى الحضارتين اليونانيّة والهنديّة، ذلك الكنز الّذي وصل إلينا عن طريق الإسلام نفسه والّذي تفاعل بعمق مع الحضارة الإسلاميّة، ونقصد الحضارة القديمة لشبه الجزيرة العربيّة، وتلك الحضارات الّتي انقرضت في مصر الفرعونيّة وفي بلاد ما بين النهرين، حيث أذاب الإسلام
(1) - انظر: مختصر دراسة للتاريخ - ج1 - ص27 وما بعدها
(2) - انظر: الإسلام وحضارته - أندريه ميكيل - ترجمة: د. زينب عبد العزيز - منشورات المكتبة العصريّة ، لبنان - دون تاريخ - ص 142-143