وقد يجد البعض أنّ هذا الجانب من الدراسة - أعني ضبط المصطلح وتعريفه- قد أخذ منها حيّزًا كبيرًا، إلاّ أنّني أجده من الأهميّة بحيث يستحقّ هذا القدر من البحث، ولا سيّما في الموضوع الّذي نحن بصدده. ذلك أن موضوع هذه الدراسة يتوقّف إعطاء الرأي فيه على دراسة وافية لمعنى الحضارة عمومًا، ومن ثَمَّ لمعنى الحضارة الإسلاميّة خصوصًا، من أجل معرفة ما الّذي يدخل ضمن ذلك المصطلح وما الّذي لا يدخل فيه؟ وما هي الحدود الفاصلة بين ما يُعبَّر عنه بالحضارة الإسلاميّة وما سواه؟ وبالتالي ما مدى انصهار المجتمع الإسلاميّ بهذه الحضارة وما مدى المؤثِّرات الّتي تأثّر بها سوى الحضارة الإسلاميّة؟ …
أوّلًا:
الحضارة والمدنيّة والثقافة
«الحضارة» في اللغة وكما ورد في"لسان العرب": «الإقامة في الحَضَر… والحَضَر والحَضْرة والحاضرة: خلاف البادية، وهي المدن والقرى والريف» . إذن، حين تُذكر الحضارة في اللغة فإنّه يقصد بها ما هو عكس البداوة، أي سكنى المدن والقرى.
إلاّ أنّ هذا المعنى هو المعنى اللغويّ للكلمة. والمعنى اللغويّ هو غير المعنى الاصطلاحيِّ ولو كان ذا صلة به. ومرادنا في هذا البحث الوقوف على المعنى الاصطلاحيِّ للحضارة. وهذا يتطلب منّا الرجوع إلى نشأة ذلك المصطلح.