إنّ كثيرًا من المؤرِّخين والمفكِّرين القارئين للتاريخ يتساءلون بحيرةٍ حين يقفون أمام صدر التاريخ الإسلاميّ: أيُعقل أن تولد حضارة شاملة، تحمل وجهة نظر متكاملة عن الحياة والمجتمع والدولة، لا تمتّ إلى الماضي بصلة؟! أيُعقل أن تولد وتثمر وتؤتي أكلها خلال نيّف وعشرين عامًا، ثمّ تستمرّ بعد ذلك، لتُبيد، في أقلّ من قرن حضارات وتصهر مجتمعات وتذيب ثقافات وتقوّض إمبراطوريات عمرت التاريخَ قرونًا متطاولة؟!
لقد تعدّدت الإجابات على هذا السؤال، وتعدّدت التفسيرات للظاهرة الحضاريّة الإسلاميّة، وأحدثت جدلًا بين المفكِّرين والمؤرّخين من المسلمين وغير المسلمين، وتحكّمت الخلفيّات الفكريّة بطبيعة الحال إلى حدّ بعيد في الآراء الّتي أدلى بها المتخاصمون والمختلفون فيما بينهم. وهي الّتي سنعقد لمناقشتها فصلًا بعد الكلام على ثقافة المجتمع الإسلاميّ. وهي على قدر كبير من الأهمّيّة والخطورة، بل يمكن أن نصفها بأنّها مخّ هذا البحث.
رابعًا:
ثقافة المجتمع الإسلاميّ
إنّ من يستقري واقع المعارف لدى الأمم والمجتمعات يجد أنّها تنقسم قسمين: قسم يختصّ بكلّ مجتمع بحدّ ذاته، يعبّر عن هويّته ووجهة نظره في الحياة، وقد يختصّ ببعض الجماعات الدينيّة أو المذهبيّة أو ربّما ببعض الأفراد. وقسم آخر لا يختصّ بأمّة دون أخرى ولا بمجتمع دون آخر ولا بجماعة أو فرد، وإنّما هو ذو سمة عالميّة، بحيث يمكن أن تتداوله كلّ الأمم والشعوب والجماعات دون أن يكون له أيّ تأثير حتميّ على وجهة نظرها في الحياة أو طريقة عيشها أو هويّتها الحضاريّة.