على هذا الأساس خاض الرسول- صلى الله عليه وسلم - ومن معه من الصحابة، الصراع الفكريّ في المرحلة المكّيّة وكلّ المراحل الّتي تلتها. وإذا كان الجدال في المرحلة المكّيّة استهدف، بالدرجة الأولى، عَبَدة الأوثان من مشركي مكّة وسائر الجزيرة العربيّة، فإنّ المرحلة المدنيّة أضافت إلى ذلك، الجدال مع أهل الكتاب من يهود ونصارى. فأمَر الإسلام بجدالهم مع توخّي المزيد من الحرص وحسن الخطاب. قال تعالى: { وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إلاّ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ } (1) . وإنّنا لنجد في القرآن الكريم عشرات من الآيات الّتي تحاجج أهل الكتاب فيما ذهبوا إليه من عقائد وآراء تخالف عقيدة التوحيد الّتي يؤكّد القرآن أنّها عقيدة جميع الأنبياء. وكانت مناسبة تلك الآيات احتكاك الدعوة الإسلاميّة بيهود المدينة ومن حولها، ثمّ احتكاكها بالنصارى الّذين أَوفدوا الوفود من بعض أنحاء الجزيرة العربيّة إلى المدينة لمناقشة الرسول- صلى الله عليه وسلم - .
أولًا:
الفتوح الإسلاميّة والاحتكاك الحضاريّ
حين توسّعت الدولة الإسلاميّة، ودخلت شعوب ذات أديان وثقافات متعدّدة في دار الإسلام، شمّر المسلمون عن سواعد الجدّ لمخاطبة هؤلاء الناس ومحاورتهم بهدف دعوتهم إلى الإسلام. ولمّا ترك الإسلامُ للناس حقَّ البقاء على دينهم أو اعتناق الإسلام اختيارًا، فإنّهم وجدوا المجال أمامهم مفتوحًا ليدافعوا عن أديانهم وأفكارهم وقناعاتهم الّتي عاشوا عليها قرونًا، ولم يكونوا ليتخلّوا عنها بسهولة وبساطة. فدافع الفرس والمجوس عن ديانتهم، ودافع النصارى عن ديانتهم، وكذلك فعل اليهود وغيرهم من أهل الأديان والملل .
(1) - سورة العنكبوت - الآية 46