وإذا كان"البيرونيّ"قد ركّز النظر على التشابه بين الفلسفة الهنديّة وجماعات التصوّف،فهذا لا يعني أنّ الهنود كانوا أصحاب التأثير الوحيد في تلك الجماعات. فالمسلمون عرفوا"الغنوصيّة"اليهوديّة ونُقلت إليهم،وأفكارها انبثّت في كتب فلاسفة الصوفيّة، كما أنّ الأفلاطونيّة المحدثة الّتي أثّرت في عدّة طوائف حملت أسماء المسلمين -وكانت قليلة متناثرة - كان فيها غنوص تتمثّل فيه كلّ المذاهب الغنوصيّة (1) .
وبعبارات موجزة، يُرجع"ول ديورانت"التصوّف الإسلاميّ «إلى أصول كثيرة: منها نزعة الزهد عند فقراء الهندوس، وغنوصيّة مصر والشام، وبحوث الأفلاطونية الجديدة عند اليونان المتأخّرين،وتأثير الرهبان المسيحيّين الزاهدين والمنتشرين في جميع بلاد المسلمين» (2) .
رابعًا:
التصوّف يتمكّن في المجتمع الإسلاميّ
لقد شغلت جماعات التصوّف اهتمام العلماء عدّة قرون، وبذل الكثير منهم جهده في التصدّي لها وتفنيدها وكشف انحرافاتها وعوارها، ولا سيّما بعد أن وصلت إلى الجهر بأقوال تصل إلى حدّ الكفر والخروج من الملّة. ففي القرن الخامس الهجريّ مثلًا يحدّثنا الإمام"ابن حزم الظاهري" (توفّي 456هـ) في كتابه"الفصل في الأهواء والملل والنحل" «أنّ من الصوفيّة من يقول: إنّ من عرف الله تعالى سقطت عنه الشرائع. وزاد بعضهم: واتّصل بالله تعالى. وبلغنا أنّ بنيسابور اليوم في عصرنا هذا رجلًا يكنّى أبا سعيد أبا الخير -هكذا معًا- من الصوفيّة، مرّة يلبس الصوف ومرّة يلبس الحرير المحرّم على الرجال، ومرّة يصلّي في اليوم ألف ركعة ومرّة لا يصلّي لا فريضة ولا نافلة، وهذا كفر محض، ونعوذ بالله من الضلال» (3) .
(1) - انظر: نشأة الفكر الفلسفي - ج1 - ص 185حتّى ص 189
(2) - قصّة الحضارة - ج 13- ص 214
(3) - ابن حزم الظاهري - الفصل في الأهواء والملل والنحل - دار المعرفة، بيروت - 1983 - ج4 - ص 188