وها هو"رالف لنتون"يفرّق بين عناصر الحضارة وبين الجهاز التقني الّذي يملكه المجتمع، ويرى أنّ الحضارات الّتي تتشابه جدًّا في تكنولوجيّتها قد تختلف اختلافًا تامًّا في تكوينها الاجتماعيّ وفي ديانتها وفي فنّها (1) . ثمّ يفيدنا أنّ «علماء الدراسات الأنتروبولوجيّة يميلون الآن إلى إخراج تلك الأشياء نفسها من مفهوم الحضارة » (2) .
وكذلك الأمر بالنسبة للعلوم الطبيعيّة الّتي أنتَجت - ولا زالت تنتج - الابتكارات والوسائل والأشكال المادّيّة المستعملة في شؤون الحياة، فهي على حدّ تعبير"توبي هاف" «ليست موروثة لمجتمع قومي ولا لجماعة عرقيّة ولا لأمّة معيّنة، وإنّما لِسِمتها العالميّة، فإنّ لها القدرة على أن تتجاوز الحدود» . ثمّ يضيف: «إنّه لأمر مهمّ أن يعرف العالم أنّ أوربّا في القرن السابع عشر لم تنشر العلم"الأوربّي"أو"الغربيّ"وإنّما القول الصحيح إنّه العلم العالمي، أو بتعبير آخر: العلم الحديث في مقابل العلوم القديمة والعصور الوسطى» (3) .
لذلك كان لا بد من تخصيص كلمة"المدنيّة"للدلالة على مجموعة الأشكال والوسائل المادّيّة المستخدمة في شؤون الحياة، أو للدلالة على المستوى الّذي وصلت إليه البشريّة في المجال التقني والصناعيّ. وبالتالي كان من الحريّ أن يتمّ الفصل بين الدراسات الّتي تتناول التاريخ الحضاريّ للأمم والشعوب والمجتمعات وبين الدراسات الّتي تتناول تاريخ التطوّر العلميّ والصناعيّ لدى الجماعات البشريّة، والّتي من الأحرى بها أن تندرج ضمن ما يعرف بتاريخ العلوم. إذ لكلّ منهما مساره الخاصّ به. فللحضارة وحداتها البشريّة المستقلّة، بينما للمدنيّة مسارها العالميّ العامّ.
(1) - انظر: شجرة الحضارة - ج1 - ص75
(2) - المرجع السابق - ج1 - ص78
(3) - توبي هاف - فجر العلم الحديث - ترجمة أحمد محمود صبحي - سلسلة عالم المعرفة، الكويت - الطبعة الأولى1997 - ج1 - ص83-84